خرج الجنوبيون من حرب 1994 وهم مثقلون بآثار نفسية عميقة خلّفتها حرب السبعين يومًا، حيث ذاقوا مرارة الذل والقهر والهزيمة، وتعرضوا لحرب نفسية منظمة مارستها القوى السياسية والإعلامية في اليمن. لم تقتصر تلك الحرب على النخب السياسية أو المنابر الإعلامية، بل امتدت لتشمل شرائح اجتماعية واسعة، شارك الكل فيها بما فيهم أراذل اليمنيين لاستفزاز الجنوبيين ومعايرتهم بالهزيمة والإذلال، في محاولة ممنهجة لكسر إرادتهم والنيل من كرامتهم وهويتهم التاريخية.
غير أن ما أغفلته تلك القوى، كما يوضح محرر شبوة برس في متابعته لمسار القضية الجنوبية، أن هذه الممارسات لم تؤد إلى إخضاع الجنوب، بل أسهمت في بلورة وعي جمعي جديد أدرك مبكرًا أن ما جرى في 1994 لم يكن وحدة ولا شراكة، وإنما احتلالًا كامل الأركان. ومن رحم تلك الهزيمة النفسية والسياسية، بدأت أولى الانتفاضات الجنوبية الرافضة للهيمنة اليمنية.
كانت انتفاضة المكلا عام 1998 محطة مفصلية في هذا المسار، حيث قدّم الجنوب شهداءه الأوائل، وفي مقدمتهم الشهيدان بن همام وبارجاش، لتؤكد تلك اللحظة أن إرادة المقاومة لم تُهزم، وأن الصمت الذي أعقب الحرب لم يكن استسلامًا، بل إعادة تموضع واستعداد لمرحلة أطول من النضال.
تراكمت بعدها محطات المواجهة، وصولًا إلى انطلاق الثورة السلمية الجنوبية في السابع من يوليو 2007، التي أعادت القضية الجنوبية إلى صدارة المشهد السياسي. وخلال سنوات الحراك الجنوبي، قدّم الجنوبيون آلاف الشهداء والجرحى في الساحات والميادين، وهم يواجهون القمع بالصدور العارية، في مشهد جسّد عمق الإيمان بعدالة القضية واستحالة كسر الإرادة الشعبية. ويرصد محرر شبوة برس أن تلك التضحيات لم تكن أرقامًا عابرة، بل كانت أساسًا صلبًا لوعي وطني متماسك تشكّل عبر الألم والتجربة.
هذا المسار النضالي الممتد من هزيمة 1994 إلى الثورة السلمية وما بعدها، لم يكن مجرد موجات احتجاج، بل مدرسة سياسية وثورية صقلت الأجيال الجنوبية، وراكمت خبرة ميدانية وتنظيمية وعسكرية.
واليوم، لم يعد الجنوبيون كما كانوا في سنوات القهر الأولى، بل باتوا يمتلكون الوعي السياسي، والتجربة العملية، والقدرة على استخدام السلاح دفاعًا عن مشروعهم الوطني.
ومن هنا، فإن أبناء الجنوب الذين ثاروا وانتفضوا في كل المراحل، وقدموا آلاف الشهداء في مواجهة الاحتلال اليمني، لن يخضعوا اليوم لسلطة رشاد العليمي، ولا لسلطة الحوثي، ولا للإصلاح، ولا لأي سلطة يمنية قائمة أو قادمة. فالقضية لم تعد مرتبطة بأشخاص أو حكومات، بل بصراع وجودي مع مشروع هيمنة أثبت فشله أخلاقيًا وسياسيًا وتاريخيًا.
ويخلص محرر شبوة برس في قراءته للمشهد إلى أن خيار الجنوبيين بات واضحًا ولا رجعة عنه، وهو المضي حتى تحقيق النصر وإعلان دولة الجنوب العربي الفيدرالية كاملة السيادة. زمن الإخضاع قد انتهى، وشعب دفع هذا الحجم من التضحيات لا يمكن كسره أو إعادته إلى مربع الهزيمة، مهما طال الزمن أو قصر بفضل الله تعالى وعونه ونصره لعباده المظلومين الراجين لنصره العزيز والمبين.