الفيدرالية اليمنية المطروحة تمثل نموذجًا لإعادة تنظيم السلطة والعلاقات بين الجنوب والشمال، كما تشمل إعادة تقسيم الجنوب داخليًا إلى أقاليم شرقية وغربية. هذا التقسيم يجعل إعلان الاستقلال الجنوبي مرتبطًا بمرحلة انتقالية مع الشمال، بدل أن يكون استقلالًا مباشرًا بعد عقود من النضال والتضحيات. الفيدرالية مع الشمال تقدم نموذجًا يتيح استمرار الارتباط باليمن عبر صيغ دستورية جديدة تمنح الشمال أدوات للمناورة السياسية والمساومة على الجنوب، بينما يُفترض أنها خطوة تمهيدية نحو الاستقلال.
في المقابل، يُعتمد نفس النظام داخل الجنوب نفسه عبر تقسيمه إلى أقاليم مستقلة، وهو ما يجعل العلاقة بين أقاليم الجنوب مشابهة للعلاقة مع الشمال، من حيث منح كل إقليم صلاحيات واسعة وقدرة على الانفصال لاحقًا. هذا يؤدي إلى إمكانية تفكيك الجنوب داخليًا دون مواجهات مباشرة أو نضالات جديدة، رغم أن المنطقة لم تعاني تاريخيًا من انقسامات مذهبية أو عرقية أو اجتماعية تبرر تطبيق نظام فيدرالي. نتيجة ذلك، تصبح العلاقة بين مناطق الجنوب المختلفة علاقة كيانات منفصلة إدارية وسياسية، بدل وحدة متماسكة.
استمرار العمل بالنظام الفيدرالي بعد عقود من النضال الجنوبي يؤخر إعلان الاستقلال الكامل والمباشر، ويعيد إنتاج نفوذ الشمال داخل الجنوب بطرق جديدة. تقسيم السلطة بطريقة فيدرالية يخلق أطرًا قانونية وإدارية تسمح للأقاليم بالاعتماد على نفسها لاحقًا، ويجعل انفصال بعض المناطق مثل حضرموت عن عدن أمرًا ممكنًا وسهلًا، على عكس ما شهدته تجربة تحرير الجنوب الطويلة التي اعتمدت على تضحيات كبيرة.
المشروع الفيدرالي الكامل المقترح في اليمن يعتمد على تقسيم الجنوب إلى إقليمين، بينما يُقسم الشمال إلى أربعة أقاليم، ما يؤدي إلى ست وحدات سياسية مستقلة في المستقبل. كل إقليم يصبح قادرًا على المطالبة بالانفصال استنادًا إلى نصوص القانون الدولي المتعلقة بحق الشعوب في تقرير مصيرها. هذا التحول يؤدي إلى تغييرات كبيرة في الحدود، وتحكم حركة السكان بين الأقاليم، وإمكانية النزاعات على الموارد والممتلكات، وتحويل اليمن إلى مجموعة كيانات سياسية صغيرة مستقلة.
الفيدرالية في هذا السياق لا تعد وسيلة للتوحيد، بل أداة لتفكيك الدولة المركزية، سواء كان هذا المركز هو الشمال أو الدولة الجنوبية المستقبلية نفسها. تطبيق النظام الفيدرالي يخلق تدرجات سياسية تمنح الأقاليم قدرة على الاعتماد على نفسها، ما يفتح الباب لاحقًا للمطالب بالانفصال الجزئي أو الكامل، ويضعف التماسك الاجتماعي والسياسي داخل الجنوب.
الجنوب العربي لا يعاني من الانقسامات التي تتطلب نظامًا فيدراليًا. جميع مؤسساته الاجتماعية والسياسية والثقافية متجانسة نسبيًا، ويعتبر التماسك الداخلي عاملًا أساسيًا في استقرار المنطقة. تطبيق الفيدرالية داخليًا فيه خطر على الوحدة الاجتماعية والسياسية، ويحوّل العلاقة بين أقاليم الجنوب إلى علاقة كيانات منفصلة، قد تتصارع على الحدود أو الموارد لاحقًا.
في النهاية، المشروع الفيدرالي المطروح، سواء على مستوى اليمن ككل أو داخليًا في الجنوب، يؤدي إلى تفكيك سياسي وجغرافي للمنطقة، وإمكانية انفصال الأقاليم عن بعضها البعض، وتحويل اليمن إلى ست دول مستقلة في المستقبل. هذه التغيرات تشمل الحدود الإدارية، حركة السكان، النفوذ السياسي لكل إقليم، وإعادة توزيع الموارد بطريقة قد تؤدي إلى نزاعات متكررة. يبقى الاستقلال الكامل المباشر للجنوب هو الخيار الأكثر وضوحًا للحفاظ على وحدة المنطقة وتماسكها الاجتماعي والسياسي، في حين أن الفيدرالية تؤجل الحسم النهائي وتخلق أرضية للتقسيم الداخلي لاحقًا.
*- شبوة برس – 4 مايو