ما تعرّض له الجنوب العربي خلال الأشهر الماضية لم يكن حدثًا عابرًا في مسار قضيته الوطنية، بل شكّل اختبارًا سياسيًا واجتماعيًا عميقًا وقاسيًا لصلابة المجتمع الجنوبي وقدرته على مواجهة الضغوط والتحديات. فالأزمات، على قسوتها، بقدر ما تكشف مكامن الخلل، تُظهر أيضًا عناصر القوة الكامنة في المجتمعات.
لقد حاولت القوى اليمنية في ما يُسمّى بالشرعية توظيف حالة الاضطراب التي نتجت عمّا جرى في حضرموت لإعادة فرض معادلات الإقصاء والهيمنة التي خبرها الجنوب تاريخيًا.. غير أن النتيجة الفعلية جاءت على خلاف ما أُريد لها؛ إذ خرج المجتمع الجنوبي من هذه المرحلة أكثر وعيًا بحقوقه السياسية والوطنية، وأكثر إدراكًا لطبيعة الصراع وأدواته.
إن أهم ما كشفت عنه هذه المرحلة هو متانة الوعي الشعبي الجنوبي. فعلى الرغم من حملات الترهيب والتشكيك ومحاولات تفكيك الصف الجنوبي، بقيت الإرادة الشعبية ثابتة في تمسّكها بالحق السياسي والوطني في تقرير المصير وبناء الدولة الجنوبية.
لكن، في الوقت نفسه، كشفت التجربة أيضًا عن جوانب قصور داخلية لا يمكن تجاهلها. فمرحلة التحرير وما تلاها شابتها اختلالات سياسية وإدارية، وأخطاء في إدارة بعض الملفات؛ بعضها يعود إلى ظروف موضوعية فرضتها تعقيدات المرحلة، وبعضها الآخر نتاج حسابات ضيقة أو سلوكيات فردية أضعفت الأداء العام.
ومن هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى مراجعة هادئة ومسؤولة لهذه المرحلة. فالمراجعة ليست اعترافًا بالهزيمة، بل شرطٌ للنضج السياسي وتطوير التجربة الوطنية. إن إعادة تقييم المسار، وتصحيح الأخطاء، وتحديد الأولويات بدقة، تمثّل خطوات أساسية في الانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة بناء المشروع السياسي للدولة.
كما أن الحفاظ على نقاء القضية الجنوبية يتطلب تنقية الصفوف من كل من حاول تحويل أهداف الثورة الجنوبية إلى مصالح شخصية أو مشاريع نفوذ ضيقة. فقد كشفت الهزّة الأخيرة كثيرًا من المواقف والوجوه، وأسقطت أقنعة كانت تحاول الاحتماء باسم القضية لتحقيق مكاسب خاصة.
إن المرحلة القادمة تفرض على القوى الجنوبية، وخصوصًا المجلس الانتقالي، إعادة ضبط البوصلة الاستراتيجية نحو الهدف المركزي، وهو مشروع بناء الدولة الجنوبية المستقلة على أسس مؤسسية عادلة، وقادرة على حماية مصالح شعبها.
لقد أثبتت التجربة أن قوة الجنوب الحقيقية لا تكمن فقط في قدراته العسكرية أو السياسية، بل في وعي شعبه وصلابة إرادته. وهذه هي الضمانة الأهم لأي مشروع وطني يسعى إلى الاستمرار والنجاح.
وفي هذا المعنى، قد تصدق الحكمة القديمة: "رُبَّ ضارّةٍ نافعة"، إذا ما أُحسن تحويل المحن إلى دروس، والتحديات إلى فرص لإعادة البناء والتصحيح.