نظرات لغوية في القرآن المجيد.. (آنستُ نارًا)

2026-05-01 23:15

نظرات لغوية في القرآن المجيد.. (آنستُ نارًا)

 

في قول ربِّنا تبارك وتعالى، حكايةً عن موسى عليه السلام:

﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى ۞ إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [طه: 9 -10].

 

ما يَلفت النظر هذا الاختيار الدقيق للفعل "آنَسَ". فالله - سبحانه - يخبرنا بأن موسى "رأى" نارًا، لكن موسى حين خاطب أهله لم يقل: "إني رأيتُ نارًا"، بل قال: ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾.

 

وهذا ليس مجردَ تنويعٍ لغويّ؛ بل هو اختيارٌ يَحمل أثرًا نفسيًّا عميقًا. فالفعل "آنَسَ" مأخوذ من "الإيناس" وهو ضد "الإيحاش"، والإيناس يبعث الطمأنينة في النفس.

 

وكأن موسى - عليه السلام - هنا، لم يُرِد أن يَجبَهَ أهلَهُ ويَفجأَهم بقوله: "رأيتُ نارًا"؛ إذ إن ذلك مَظِنَّةُ أن يُلقِيَ في نفس أهله الخوف، لا سيما أنهم كانوا على سفرٍ بليل، إذ قد توحي عبارة "رأيتُ نارًا" بخطرٍ داهمٍ أو عدوٍّ متربِّص.

 

فجاء التعبير بـ "آنستُ" نارًا، ليَحمل معنى الأُلفة والرجاء والاستبشار بالخير، لا مجرد الرؤية. وهذا خطابٌ يُراعي حال السامع، ويختار اللفظ الذي يُطَمئنُ ولا يُفزِع.

 

وهذه من دقة التعبير القرآني؛ إذ لا تُنقَل الأحداث فحسب؛ بل تُصاغ الألفاظ بما يتَّسق مع المقام النفسي والإنساني للشخصيات. فنحن هنا لا نقرأ مجرد خبر؛ بل نلمس أدب الخطاب، وحكمة الكلمة، وكيف يمكن للفظٍ واحد، أن يخفف وطأة الموقف أو يَزيدَها سُوءًا.