فرض الوحدة بالقوة وبالفتاوى لم يعد متاح... انتهى ذلك الزمان

2015-07-24 18:08

 

الوحدة تَلفِظ أنفاسها على الأرض... ولن تنجو هذه المرّة حتى وإن وضعوها تحت "عناية" المقدسات والعقائد "المركّزة".. فشلت مليون مرة بحيث لا يوجد فشل في أرض الله أبلغ من فشلها، ولم تعد هناك شرائع أو ضرورات أو ممكنات لإحيائها، إلا في حدود مرحلة الانتقال إلى الفصل الآمن بين الطرفين.

 

دراما الوحدة اليمنية احتوت على أغرب "الحبكات" التي لا مثيل لها في مسيرة المجتمعات البشرية منذ العصر الحجري حتى العصر الرقمي، وأنتجت واقعاً مشوهاً وأحدثت صدوعاً عميقة بين كتل المجتمع في الجنوب والشمال، كما صنعت حروباً صغيرة كمتلازمة دائمة، وحروباً كبيرة مزلزلة، وربما ستكون عِبرةً موجعةً عند دراسة أحداث التاريخ والعلوم السياسية وعند وضع قواعد اخلاقية ومحددات للتجارب السياسية القادمة.

 

إن محاولة استدعاء الوحدة مجدداً في ظروف الراهن الجنوبي خطر مدمر، كما أن فكرة الأقلمة أو الدولة الاتحادية التي زُرعت في "صلبها المتليّف"، لا تلد إلّا دماً متعفناً، وأي توجه من هذا القبيل لن يكون سوى انتحاراً حقيقياً للشمال والجنوب.

 

فبعد هذا التعبير الكارثي الدامي التدميري لفشل الوحدة، الذي نراه اليوم، لا يمكن استقامة أي مقاربة سياسية غير تلك التي تحيل إلى ضرورة تمكين الجنوب من خياراته.

 

المطلوب الآن هو الوقوف بوعي أمام محاولات خلط الاوراق، لأننا سنسمع قريباً التنظير حول "المفترضات" الجديدة وبأن حكاية الوحدة قابلة للاستمرار في مرحلة ما بعد صالح والحوثيين! أو ضمن عملية سياسية متوازنة.. هذا التنظير بدأ عبر أصوات ماهرة في "تقانة" الترويج للمصطلحات وتركيبها في سياقات مختلفة.. وعبر وجوه مكررة، تتردد على الشاشات أكثر من إعلانات ال(كوكا كولا)، وتشرح مآلات المشهد اليمني من خلال الهوى السياسي وحدود مصالح تخلو من كل شي إلا من جهويتها الفطرية.

 

وعلى خط موازٍ تتوثب أحزاب دينية (الاخوان) لتستثمر بقوة في الاحداث الجارية عبر إعلامها الإنغماسي (الإنتحاري) الذي يفجر كل من حوله، ويقوم هذه الايام على فكرة الخلط بين مصطلحي " تقسيم اليمن" إلى دويلات متعددة وبين الحلّ الذي يقوم على عودة الدولتين "الشمال والجنوب" إلى وضعهما قبل تجربة الوحدة السياسية التي قادت الى كوارث هي الأعظم في التاريخ.. كما تقوم بإبتزاز الإقليم من خلال الزج بشيوخ التطرف والميديا التابعة لهم إلى إرتكاب مذبحة إعلامية بحق الجنوب، لتتكامل مع المذابح الدموية التي ترتكبها المليشيات الحوثية على الأرض.

 

وبهذا تعود تلك الاحزاب مشمرةً عن ساقَي انتهازيتها الاحترافية لركوب الموجة العالية كالعادة قبل أن يتشافى الجنوب من دمائه ودماره، بهدف "تكريره" في إطار طروحاتها الطوباوية وأهدافها التي لا تخرج في الأخير عن إعادة تنشئة المجتمعات تحت سقف دولة "عبد الملك بن مروان أو هارون الرشيد".

هذه الأحزاب تحمل نفس أهداف التنظيمات المتطرفة وهي لا تهتم بفكرة الوحدة بمفاهيما العصرية المختلفة، بل تؤمن بإقامة إمارات داخل كل بلد على مستوى العالم الاسلامي تخضع جميعها لخليفة استانبولي أو بغدادي أو دمشقي او مكّي ... الخ.

 

كما أن إخوان اليمن يحملون أثقالاً مركبةً ومعقدةً.. فهم يمثلون الاسلام القبلي اليمني (الشمال) من ناحية، ومن ناحية ثانية يتبعون التنظيم الدولي الذي لا يؤمن أصلاً بفكرة الدولة الوطنية.

لهذا فإن الجنوب في مضمار أي "وحدة ممنتجة" لن يكون سوى أقلية مهمشة بين فكي كارثة، سواء بقصد، من قبل دولة قبلية أو دينية، مهما ألبسوها من حُلي الشعار، أو بدون قصد، من قبل المجتمع الواسع الاطياف والأمزجة والعصبيات والمذاهب والمناطق.

 

المسألة الجنوبية ليست متعلقة بحضور أو غياب علي عبدالله أو عبد الملك الحوثي أو حلفاء ٩٤، أو غيرهم... لأن البيئة التي أنتجت أولئك الأفراد وغيرهم وأنتجت حروبهم قادرة أن تنتج أمثالهم مرات ومرات بأثواب وتحت عناوين مختلفة.

 

الوحدة منذ٩٤ فُرضت من طرف واحد، من خلال الهيمنة العسكرية والسياسية، لكن الآن لم تعد تلك الأدوات فاعلة وقوية فلقد نشأت قوى عسكرية وسياسية جنوبية تستطيع أن تقاوم بجدارة، وأصبحت لديها القدرة للتصدي لأي محاولة لإعادة فرض الوحدة من طرف واحد.. ولم تنشأ هذه القوة الجنوبية من بيئة طبيعية وتعايشية بين الجنوب والشمال وإنما نشأت كرد فعل قوي لحالة الصدامات التي تتوجت باجتياح الجنوب للمرة الثانية.

لهذا محاولة فرض الوحدة مجدداً، من الداخل أو الخارج، خطر على الجنوب والشمال لانها لم تعد تحمل أي معنى عدا العنف والإحتراب وستؤدي إلى اندلاع صراعات تصبح خطرة ومدمرة لأنها ستتمازج مع هويات ايديولوجية أو دينية أو عصبية وسيتم توظيفها لترهق الاقليم مرة أخرى ولكن سيصبح الامر حينها كارثي أكثر مما هو عليه الآن.