قبل الولوج في الحديث الطريف عن حكاية تقديم القضية الجنوبية كــ"مؤامرة صهيونية" أتذكر حادثة طريفة حصلت معي حينما كنت مسافرا من السعودية إلى اليمن عبر منفذي الطوال -حرض قبل ربع قرن.
أوصلني سائق الشركة التي كنت أعمل فيها إلى منفذ الطوال ثم أجريت معاملة المغادرة وأخذت سيارة هايلوكس إلى المنفذ اليمني، وعلى الطريق صادفت العشرات من المرحلين اليمنيين، فرجوت السائق أن يحمل منهم ما أمكن لإيصالهم إلى المنفذ اليمني في حرض.
في نقطة الجوازات مر الجميع دون سؤال عن التأشيرة فوجوههم مالوفة لدى القائمين على مكتب الجوازات هناك وقد مر الجميع بدون تفتيش وكنت الوحيد الذي عنده جواز وتأشيرة مغادرة، لكنني قلت لنفسي "لأجرب المرور ضمن المجموعة"
بيد إن رجل الحدود أوقفني قائلا: أنت لست يمنيا!
قلت له أنا يمني مثل هؤلاء جميعاً،
قال لي لا أنت أجنبي
وسألته: كيف عرفت أنني لست يمنياً؟
قال: أنت لا يمكن أن تكون يمني، أنت نظيف ومهندم.
* * *
تذكرت هذه الطرفة بعيد الضجيج الذي أثارته قنوات إسطنبول وإعلامييها عن فريق الصحفيين العالميين الذين غطوا إحدى فعاليات ساحة العروض نصرة للقضية الجنوبية والمجلس الانتقالي بقيادة الأخ اللواء عيدروس الزبيدي، حيث قدمت تلك القنوات وناشطوها هؤلاء الإعلاميين على إنهم مخابرات صهيونية، والدليل بشراتهم البيضاء ولحاهم الحليقة وملابسهم الأنيقة، وكأنه لا يوجد في العالم أناس نظيفين وأنيقين وذوي بشرات بيضاء إلا الصهاينة.
* * *
ربط القضية الجنوبية بحكاية "المؤامرة الصهيونية" ليس دليل ذكاء سياسي أو تفوق تقني في الدعاية والتحريض السياسيين، فأية دعاية أو تحريض تعتمدان على افتراض أن المتلقي غبيٌ وأنه لا يتابع إلا صاحب تلك الدعاية البلهاء، تكشف أن صاحبها ما يزال يعيش قترة ما قبل الصورة الإعلامية، بل ما قبل الصحيفة الورقية وما قبل تعدد المنابر الإعلامية، ولا أقول ما قبل الإعلام الرقمي والتواصل الاجتماعي الذي ينقل الحدث في زمن أقل من الدقيقة الواحدة.
يا هؤلاءِ
القضية الجنوبية بدأت يوم محاولة اغتيال الرمز السياسي والثقافي الجنوبي الأستاذ عمر عبد الله الجاوي واغتيال الدكتور حسن الحريبي، عليهما رحمة الله، واستمرت يوم جرى قصف منازل القادة الجنوبيين في صنعاء واغتيال أكثر من 150 سياسي جنوبي وتقييد كل تلك الجرئم ضد مجهولين، وجاءت حرب 1994م لتتوج كل تلك العمليات، ولتؤكد أن يمن واحد بدولة واحدة أمر مستحيل وأن وحدة الحرب لا تعني سوى الاحتلال والاجتياح والسلب والنهب والاغتصاب والتمييز والإقصاء وتحويل الجنوب بأهله ومساحته وثرواته وشواطئه وموقعه الاستراتيجي إلى غنيمة حرب.
كل هذا جاء قبل أن تخرج الدولة الصهيونية عن علاقاتها الشكلية مع دولتي الحدود (مصر والأردن) بقرابة ربع قرن، وعليكم أن تتذكروا أن الناس عموماً وأبناء الجنوب خصوصاً ليسوا بلا ذاكرة، وأنهم عصيين على التجهيل والاستغباء، وإذا كنتم أغبياء فلا تتصوروا أن كل الناس مثلكم، أما إذا كنتم تتصنعون الغباء ادعاءً فعليكم أن تعلموا أنكم تقدمون الدولة الصهيونية العنصرية على إنها نصيرةٌ للحق والعدل والإنصاف وهذا ليس في مصلحتكم ولو معنوياً، أما المواطن الجنوبي فقد تجاوز مرحلة الكذب والتضليل والاستغباء وصار أكثر دراية ومهارة من بعض أدعياء القيادة والريادة، ومزيفي الحقائق والتاريخ.