أرامل الترابي.. وماذا عن أيتام الزنداني؟

2026-03-10 17:41

 

أخيراً نالت الحركة الإسلامية السودانية، ما يُعرف شعبياً بـ"الكيزان"، شيئاً مما تستحقه على الأقل من تصنيفها على قائمة الجماعات الإرهابية، وهي خطوة لا جدال في أنها جاءت متأخرة كثيراً، فمنذ أن قصفت الولايات المتحدة مصنع الشفاء في الخرطوم عام 1998 كانت تلك إشارة مبكرة إلى طبيعة الشبكات التي تشكلت في السودان آنذاك، وإلى ما كان يُحاك في الظل تحت عباءة الإسلام السياسي، ولم تمضِ سوى سنة واحدة حتى انفجرت المدمرة الأميركية أس أس كول في ميناء عدن عام 2000،

في واحدة من أكثر العمليات دلالة على تلاقي المسارات بين الخرطوم وصنعاء وكهوف أفغانستان.

 

كان حسن الترابي في السودان وعبد المجيد الزنداني في اليمن يقودان تياراً صحوياً متشدداً يخلط بين الدعوة والتنظيم، وبين الفقه والسلاح، تجنيد الشباب وإرسالهم إلى حروب أفغانستان والصومال والبلقان والشيشان لم يكن عملاً خيرياً ولا مجرد تضامن عابر مع "قضايا الأمة"، بل كان عملية طويلة لتخصيب عقول جيل كامل بأفكار الجهاد العابر للحدود، ومن تلك التربة الأيديولوجية خرج أسامة بن لادن، الذي لم يكن سوى منتج مشحون لمصنع فكري بدأه حسن البنا وطوّره سيد قطب ثم أعاد تصديره الترابي والزنداني إلى العالم.

 

ولعل أخطر عبارة رُوّجت هي القول إن "الإرهاب لا دين له"، في الحقيقة، الإرهاب له أفكار ومراجع ومدارس، وله أيضاً شبكات ومؤسسات وأشخاص صاغوا منطقه وبرّروا عنفه، ليس الحديث هنا عن الإسلام كدين، بل عن أيديولوجيا الإسلام السياسي التي حوّلت النصوص إلى أدوات تعبئة، والفقه إلى منصة لإنتاج المقاتلين.

 

دفع السودان ثمناً باهظاً لتجربة الترابي، دولة كاملة انهارت تحت وطأة مشروع أيديولوجي حاول أن يحكم باسم السماء، فانتهى بتفكيك الأرض، واليوم، بعد سنوات من الحروب والانقسامات والعزلة الدولية، يأتي تصنيف جماعة الإخوان في السودان كمنظمة إرهابية كأنه شهادة متأخرة على فشل تلك التجربة.

 

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: إذا كانت أرامل الترابي اليوم يندبن مشروعه في الخرطوم، فماذا عن أيتام الزنداني في صنعاء وتعز ومأرب؟.

 

في اليمن لم يُهزم المشروع نفسه بعد، فالتنظيم الذي أسسه الزنداني داخل بنية حزب الإصلاح لا يزال يملك نفوذاً سياسياً وعسكرياً واسعاً، ويسيطر على مؤسسات تعليمية ودعوية وإعلامية شكّلت لعقود مصنعاً لإعادة إنتاج الفكر ذاته الذي خرجت منه القاعدة وتنظيمات الجهاد العابر للحدود.

 

لقد تغيّرت الأسماء، لكن الفكرة بقيت، لم يعد الحديث عن "الأفغان العرب" كما في التسعينيات، بل عن شبكات أكثر تعقيداً تتداخل فيها السياسة والمال والسلاح، وبينما انتهى الترابي إلى قبره تاركاً وراءه دولة ممزقة، لا يزال إرث الزنداني حاضراً في اليمن، يتكاثر في المدارس والمعاهد والجمعيات والمنابر.

 

وهنا يكمن التناقض الكبير في التعامل الدولي مع الإسلام السياسي: ما يُعد إرهاباً في الخرطوم يُعامل أحياناً كحليف سياسي في صنعاء، وكأن الأفكار نفسها تتبدل طبيعتها بتبدل الجغرافيا.

 

تصنيف فرع الإخوان في السودان خطوة صحيحة، لكنها تظل ناقصة ما لم يُنظر إلى بقية الفروع بالمعيار نفسه، فالفكر الذي أنجب الترابي هو نفسه الذي أنجب الزنداني، والشبكات التي تحركت من الخرطوم إلى أفغانستان هي ذاتها التي مرّت عبر صنعاء وعدن.

 

علي محسن الأحمر والبرهان وجهان لعملة واحدة، عسكريان يضمران الإيدلوجية الإخوانية، المعسكرات والسلاح والأفراد والسلطة، وها هي الشرعية كلها بيدّ الإخوان، كانت الجيوش على أبواب صنعاء وأعيدت بأمرهم هذا ليس تخادم بل جريمة ها هي المنطقة تدفع ثمنها، السعودية عليها أن تحدد علاقتها مع الإخوان إما معهم أو ضدهم فها ورقة البرهان سقطت وسيأتي الدور على حزب الإصلاح في اليمن فلا مناص فكل الجماعات ستقطع رؤوسها في العهدة الترامبية

 

التاريخ لا يكرر نفسه بالصدفة، إنه يفعل ذلك حين نرفض أن نتعلم منه.

 

واليوم، بعد أن أصبحت أرامل الترابي صفحة من الماضي، يبقى السؤال معلقاً في سماء اليمن: متى يأتي الدور على أيتام الزنداني؟