شبوة برس – خاص المحرر السياسي
بعد كل حرب كبرى في النظام الدولي تتغير موازين القوى وتُعاد صياغة التحالفات وتُعاد تعريف الأدوار الجيوسياسية للدول والمناطق. هكذا حدث بعد الحرب العالمية الثانية، وبعد حرب فيتنام، وكذلك عقب غزو العراق 2003، حيث لم تعد الخريطة السياسية والأمنية كما كانت قبل تلك الحروب.
ومن هذا المنطلق، فإن أي مواجهة إقليمية كبرى في الشرق الأوسط، خصوصاً بين قوى مثل إيران وإسرائيل بدعم من الولايات المتحدة، لن تكون مجرد جولة عسكرية عابرة، بل لحظة مفصلية لإعادة ترتيب موازين القوة في الخليج والبحر الأحمر. وفي مثل هذه التحولات يصعب أن يبقى اليمن، والجنوب على وجه الخصوص، خارج معادلة التغيير بحكم موقعه البحري الحاكم في خطوط التجارة والأمن الدوليين.
السيناريو الأكثر ترجيحاً في حال إضعاف إيران لا يتمثل في تفكيكها إلى كيانات منفصلة، بل في تقليص قدرتها على إدارة شبكة النفوذ الإقليمي القائمة على الميليشيات والتنظيمات المسلحة. فالهدف الاستراتيجي للقوى الغربية يتمثل غالباً في إنهاء نموذج الشبكات الوكيلية العابرة للحدود، لا في إسقاط الدولة الإيرانية نفسها.
ومع أي تراجع محتمل لهذا النفوذ ستواجه الشبكات المرتبطة به في المنطقة، بما فيها جماعة أنصار الله الحوثيين في اليمن، تحولات عميقة قد تقود إلى إعادة تشكيل موازين القوى المحلية. وفي هذه البيئة الجديدة ستسعى قوى إقليمية مثل دول الخليج وتركيا، إلى جانب إسرائيل، إلى تثبيت أدوار أكبر في منظومة الأمن الإقليمي، خاصة في ملفات الطاقة وتأمين الممرات البحرية الممتدة من مضيق هرمز إلى باب المندب ثم قناة السويس.
وفي قلب هذه المعادلة يبرز الجنوب العربي بوصفه عقدة جيوسياسية حساسة تشرف على خليج عدن والبحر العربي، وهي منطقة تشكل أحد أهم مفاتيح الربط بين المحيط الهندي والبحر الأحمر. ومن دون استقرار هذه العقدة البحرية يصعب بناء منظومة أمن بحري إقليمية مستقرة.
من هنا يبرز جوهر الفكرة الاستراتيجية: الجنوب ليس مجرد ساحة نزاع محلية، بل مشروع دولة ممر يؤدي وظيفة جيوسياسية في تأمين أحد أهم أعناق التجارة البحرية في العالم. غير أن تحقيق هذا الدور يتطلب وجود مشروع سياسي موحد ومؤسسات قادرة على إدارة الجغرافيا البحرية والاقتصاد المرتبط بها.
فالتحولات الإقليمية قد تفتح نافذة تاريخية نادرة. والاختيار في النهاية ليس بين الجغرافيا والسياسة، بل بين أن يتحول الجنوب إلى دولة ممر ذات دور سيادي في منظومة الأمن البحري الدولي، أو أن يبقى ساحة صراع تتقاطع فوقها مصالح الآخرين وصراعاتهم.