*- عادل الجعدي
عندما سقطت فرنسا عام 1940 خلال الحرب العالمية الثانية، بدا المشهد وكأن النهاية قد كُتبت. استسلمت الحكومة، وظهرت حكومة فيشي كسلطة بديلة تقبل بالأمر الواقع. في تلك اللحظة، اختار ديغول طريقًا مختلفًا؛ غادر إلى لندن، لا هروبًا بل بحثًا عن منصة للمقاومة.
من هناك، أطلق نداءه الشهير داعيًا الفرنسيين لرفض الهزيمة، مؤسسًا ما عُرف بـ فرنسا الحرة. لم يكن يملك جيشًا حقيقيًا ولا موارد كافية، لكنه امتلك ما هو أهم: فكرة أن الدولة لا تموت بالاحتلال، وأن الشرعية يمكن أن تُبنى من الإرادة. تدريجيًا، نجح في توحيد قوى المقاومة في الداخل، وربطها بجهود الحلفاء في الخارج، ليصبح رقمًا صعبًا في معادلة الحرب.
ومع انطلاق إنزال النورماندي، بدأت ملامح التحرير تتشكل. لم يكتفِ ديغول بدور المراقب، بل أصرّ على أن يكون للفرنسيين دور مركزي في تحرير بلادهم، حفاظًا على كرامة الدولة واستقلال قرارها. وعندما تحررت باريس عام 1944، عاد إليها وسط التفاف شعبي واسع، لا كزعيم مفروض من الخارج، بل كرمز لاستمرار الدولة رغم السقوط.
تكمن قوة تجربة ديغول في أنه لم ينتظر الظروف المثالية، بل صنعها. حوّل الهزيمة إلى نقطة انطلاق، وبنى من المنفى مشروعًا وطنيًا، ثم عاد ليؤكد أن الدول لا تُقاس بلحظات سقوطها، بل بقدرتها على النهوض. ولذلك، لم تكن عودته مجرد نهاية حرب، بل بداية استعادة فرنسا لمكانتها وهيبتها.
قصة شارل ديغول ليست مجرد سيرة قائد عسكري، بل نموذج نادر لزعيم صنع شرعيته في لحظة انهيار، ثم عاد ليبني دولة من جديد.
#عيدروس_الزُبيدي
#الجنوب_العربي