في الأدب السياسي الكلاسيكي، رسم ميكيافيلي في كتاب الأمير، صورة للحاكم الناجح بوصفه من يجمع بين صفات الأسد والثعلب، قوة الأسد لردع الذئاب، ومكر الثعلب لاكتشاف الفخاخ.
لكن ميكيافيلي لم يتحدث عن صنف ثالث ظهر لاحقاً في السياسة الحديثة هو الكلب الذكي "الوسيط في الازمات" الذي لا يكون أسداً ولا ثعلباً، بل يتقن فن الانتظار في محيط المجزرة "المسلخ"، لا يطارد فريسته، ولا يستهلك طاقته، بل يأكل مما يقدمه له جزارو المسالخ ليُخلّصهم من بقايا مخلفات عملهم اليومي.
وهذا الصنف لا يُحتقَر دائماً في عالم السياسة الواقعية. بل إن كثيراً من المحللين يرونه نموذجاً عاقلاً للسياسة الخارجية: لماذا تحترق وأنت تستطيع أن تدفأ بنار غيرك؟ لكن هذا العقل يحمل في طياته فساداً بنيوياً عميقاً، لأنه يجعل استمرار الحرائق شرطاً لاستمرار الدفء. وهنا تحديداً يتحول الوسيط إلى طرف غير مُعلن في إدامة الصراع.