سنكتفي باسم عيدروس الزبيدي، ولن نسبق أو نذيل اسمه بـ«فخامة الرئيس القائد»، فمن عاش بسيطاً لا تغيره البهرجة.
هناك جنوبيون ما زالوا يعيشون صراعاً داخلياً بين إيمانهم بحقوقهم وعدالة قضيتهم، وبين خصومتهم لعيدروس ومجلسه، ونحتاج لمخاطبتهم من المسافة نفسها، دون تفخيم أو تمييز أحد.
كنا من آلاف الجنوبيين الذين خرجوا وفوضوا عيدروس، في قمة الحماسة والسعادة بتأسيس المجلس الانتقالي، واعتبرنا ميلاده لحظة تاريخية.
انتسبنا إليه يوماً بوصفه مشروعاً تحررياً ومظلة لكل الجنوبيين، لكننا انسحبنا لاحقاً بعد شعورنا بأنهم انحرفوا بالقضية، وقد يخرقون السفينة.
برغم أخطائهم، يظل عيدروس الزبيدي أقرب الساسة الجنوبيين إلى قلوبنا، مختلفاً عن الذين عرفناهم وجثموا على صدورنا خمسين عاماً، وأيضاً عن الذين صنعهم «عفاش».
وبشهادة خصومه الذين يحترمونه، كثير منهم يعتبره شخصية صادقة في ساحة مزدحمة بالانتهازيين.
منذ عرفناه، كانت مواقفه متزنة، وفي ذروة الأحداث وشدة الصراع لم يخرج عن النص، ولم نره متغطرساً، ولم نسمع نبرة متشنجة في حديثه أو خطاباته، ولا عنصرية، ولا كراهية، ولا جرحاً لخصم، ولا استصغاراً لطرف، ولا طعناً في ظهر حليف.
كانت مواقفه واضحة منذ البداية، وصريحاً في استعادة الدولة الجنوبية، ولم يضطر أن يكذب أو يهادن، وقد حذف عبارة «الدفاع عن الوحدة اليمنية» من قسمه أمام عالم كان يسمع ويرى.
أحداث الشرق الأخيرة قلبت الطاولة على رؤوس أحزابهم، وربما دقت المسمار الأخير في نعش شرعية العليمي، وبتنا على وشك خلع الوصاية.
كانت كل الأبواب موصدة في وجوهنا، ودبلوماسيتهم وقنواتهم لا تسمعنا، واليوم بات العالم قريباً منا، وأصبح الجنوب رقماً صعباً في المعادلة داخلياً وخارجياً.
لكن السياسة قذرة، والمصالح لا ترحم، وقد تصفى حساباتها على جثث الرجال، ونخشى الغدر.
يا أيها الجنوبيون، لم يخن عيدروس عهدكم، فعندما حاولوا إجباره على التنازل ويقول «نعم»، قال «لا»، ولم تعد هناك مساحة للتراجع.
حافظوا عليه، ولا تفرطوا بمن أراد لكم العزة، فإذا خسرتموه فلا تظنوا أنهم سيأتون ببديل أفضل منه أو حتى مثله، بل سيجعلون خصومكم يحكموننا.
الذين رؤوسهم حرة والشجعان لا يولدون كل يوم.
دولة.. ومن قرح يقرح.
* ياسر محمد الأعسم / عدن 2026/1/1