في عالم السياسة لا تُقاس المواقف ببلاغة التصريحات ولا بحسن النوايا المعلنة، بل بميزان المصالح والقدرة على تحويل الوعود إلى التزامات قابلة للتنفيذ. هذه قاعدة تكاد تكون مستقرة في أدبيات العلاقات الدولية، حيث تُفهم السياسة بوصفها مجالًا لإدارة القوة وتقاطعات المصالح، لا ساحةً للأخلاق الفردية أو التعهدات الشفهية.
ومن هذا المنظور، تبدو مسألة الوعود المتكررة بحل عادل للقضية الجنوبية اختبارًا حقيقيًا لمدى جدية الفاعلين الإقليميين والدوليين.
على مدى سنوات، تكررت في البيانات الرسمية وخطابات الوسطاء عبارات تؤكد على تفهم الخصوصية الجنوبية وأهمية المعالجة العادلة، غير أن الفجوة بين الخطاب والتطبيق لا تزال واسعة.
فحتى الآن، لم تتحول هذه الوعود إلى إطار سياسي مُلزم، أو مرجعية تفاوضية واضحة، أو ضمانات قانونية تكفل حق الجنوبيين في تقرير شكل مستقبلهم السياسي. وغالبًا ما يجري ترحيل الملف إلى مراحل لاحقة، أو ربطه بتسويات أشمل لا تعني الجنوبيين، ما يجعله عرضة للمساومات والتأجيل.
المشكلة لا تكمن فقط في نوايا الأطراف، بل في طبيعة النظام السياسي الدولي نفسه. الدول لا تتحرك بدافع التعاطف، بل وفق حسابات الاستقرار، والأمن، والمصالح الاستراتيجية. لذلك فإن أي قضية مهما بلغت عدالتها لا تجد طريقها إلى الحل ما لم تتحول إلى عنصر مؤثر في معادلة المصالح. وهذا ما يفسر لماذا تنجح بعض الملفات في فرض نفسها على طاولة القرار، بينما تبقى أخرى حبيسة البيانات الدبلوماسية.
إن القراءة الواقعية لمسار القضية الجنوبية تشير إلى أن الاعتماد على الوعود اللفظية وحدها رهان ضعيف. ما يعطي أي تعهد سياسي وزنه الحقيقي هو وجود ضمانات: نصوص مكتوبة، رعاية دولية واضحة، آليات تنفيذ، توازن قوى على الأرض، وتمثيل سياسي موحد قادر على التفاوض والضغط. دون ذلك، تبقى الوعود أقرب إلى أدوات تهدئة مرحلية منها إلى التزامات نهائية.
ومع ذلك، لا يعني هذا إغلاق باب الحلول أو التقليل من أهمية المسارات التفاوضية. بل على العكس، المطلوب هو الانتقال من مرحلة الاستماع إلى الوعود، إلى مرحلة بناء شروط استحقاقها وهي توحيد الرؤية الجنوبية، تعزيز المؤسسات التمثيلية، صياغة مطالب قانونية دقيقة، وربط أي تسوية بضمانات قابلة للقياس والمتابعة.
التاريخ السياسي يعلمنا أن الحقوق لا تضيع فقط بالقوة، بل قد تضيع أيضًا بالثقة الزائدة في وعود غير محصّنة. أما الحلول العادلة، فلا تولد من الخطاب وحده، بل من توازنٍ واضح بين الشرعية والمصلحة والقدرة على الفعل.