المثقف اليمني… نسخة تجريبية من البشر

2026-02-23 23:49
المثقف اليمني… نسخة تجريبية من البشر
شبوه برس - خـاص - عــدن

 

*- شبوة برس – أ د أحمد الشاعر باسرده

عندما أقرأ لبعض المثقفين اليمنيين وهم يتناولون قضية الجنوب، يتسلل إليّ شعور عميق بالإحباط، ليس لأن الاختلاف في الرأي مرفوض، بل لأن الخطاب في كثير من الأحيان يبدو محمّلًا بأحكام مسبقة ونظرة وصاية تعيد إنتاج أزمات الماضي بدل أن تبحث عن مخارج حقيقية للمستقبل. حين يُختزل الجنوب في سرديات الهيمنة أو يُقدَّم كغنيمة جغرافية أو اقتصادية، يصبح من الصعب تصديق أن الهدف هو استقرار اليمن وخروجه من عنق الزجاجة الذي أدخلته فيه الصراعات الداخلية والأطماع الخارجية. فالدعوة إلى الدولة لا تستقيم بلغة الإقصاء، والحديث عن الوحدة لا ينسجم مع تجاهل المظالم أو التقليل من شأن تطلعات الناس.

 

المشكلة ليست في اليمنيين كهوية جامعة لملايين البشر المتنوعين، ولا في الجنوب ككيان اجتماعي وسياسي له خصوصيته، بل في ذهنية ما تزال أسيرة مفاهيم الغلبة وقانون القوة، حيث يُستحضر نموذج “الثور” و”شيخ القبيلة” كمرجعية لإدارة الشأن العام، وكأن الدولة الحديثة لم تُخلق بعد. هذا النوع من الخطاب لا يسيء إلى الجنوب وحده، بل يسيء أيضًا إلى اليمن نفسه، لأنه يختزل مجتمعًا غنيًا بالتعدد والثقافة في صورة نمطية ضيقة، ويصادر حقه في التطور السياسي والمؤسسي.

 

الجنوب، في وعي كثير من أبنائه، لم يعد مساحة متاحة للمساومات أو التجارب الفاشلة. هو أرض وهوية وتجربة تاريخية، وهو أيضًا مشروع سياسي يسعى – بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معه – إلى صياغة علاقة مختلفة مع المركز، علاقة تقوم على الندية والاحترام المتبادل لا على التبعية. ومن حق أي مجتمع أن يناقش مستقبله وأن يحدد شكل علاقته بالآخرين عبر الوسائل السلمية والسياسية. أما تصوير ذلك الطموح على أنه نزعة انفصالية مجردة من السياق، أو اتهامه بالطمع أو العمالة، فهو تبسيط مخلّ لا يخدم سوى تعميق الهوة.

 

في المقابل، من الخطأ أيضًا شيطنة كل قلم يمني أو افتراض سوء النية بشكل مطلق. فكما توجد أصوات متشنجة أو متعالية، توجد أيضًا أصوات عاقلة في اليمن تدعو إلى مراجعة صادقة لتجربة العقود الماضية، وتعترف بأن فرض المشاريع بالقوة لم ينتج سوى مزيد من الانقسام. التعميم قد يمنح لحظة ارتياح عاطفي، لكنه لا يبني موقفًا سياسيًا رصينًا ولا يؤسس لمستقبل آمن.

 

الحديث عن “الاستيلاء” على الجنوب وثرواته يعكس جرحًا تاريخيًا لم يلتئم بعد، وشعورًا عميقًا بأن الموارد لم تُدار بعدالة وأن القرار لم يكن يومًا بيد أهله. هذه المشاعر لا يمكن معالجتها بالإنكار أو بالاستهزاء، بل تحتاج إلى اعتراف ومسار سياسي واضح يضمن الشفافية وفق أسس عادلة. من دون ذلك، سيبقى كل خطاب وحدوي عرضة للتشكيك.

 

الجنوب لأهله، كما أن اليمن لكل أبنائه، وهذه حقيقة بديهية لا ينبغي أن تُفهم كدعوة للإقصاء بل كتأكيد على حق الناس في إدارة شؤونهم وصون كرامتهم. الاحترام المتبادل يبدأ بالاعتراف بأن زمن الوصاية قد انتهى، وأن أي علاقة مستقبلية – سواء في إطار دولة واحدة بصيغة جديدة أو في إطارين سياسيين منفصلين كما يرى كثير من أبناء الجنوب – لا بد أن تقوم على الإرادة الحرة لا على فرض الأمر الواقع. من يريد استقرار اليمن حقًا عليه أن يتخلى عن لغة الغلبة، وأن يدرك أن الكرامة والعدالة هما الأساس الوحيد لأي مشروع وطني قابل للحياة.

 

إن الإصرار على إنكار تطلعات الجنوبيين أو التقليل من شأنها لن يؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان. وفي المقابل، فإن الانغلاق الكامل وقطع كل جسور الحوار سيحرم الجميع من فرصة صياغة تسوية تاريخية تُخرج البلاد من دوامة الصراع. بين الهيمنة والقطيعة مساحة واسعة يمكن أن يُبنى فيها عقد سياسي جديد، شرط أن تتوفر الشجاعة للاعتراف بالأخطاء، والصدق في النوايا، والاستعداد للتعامل مع الخطوط الحمراء بحكمة لا باستفزاز.

 

المستقبل لن يصنعه خطاب الكراهية، بل رؤية واقعية تعترف بالتنوع وتؤمن بأن العدالة هي الطريق الأقصر إلى الاستقرار، وهذا بالتأكيد يحتاج إلى بنية سياسية قادرة على استيعاب الجميع لا إلى إعادة إنتاج أزمات الماضي.

 

ا. حمد الشاعر باسردة

رئيس تجمع اتحاد الجنوب العربي

South Arabian Federation Gathering