*- شبوة برس – حافظ الشجيفي
في ميزان الشعوب، لا تُقاس القضايا بالمؤسسات بل بالإرادة التي أنشأتها. فالمجلس الانتقالي الجنوبي – كغيره من الكيانات السياسية – يستمد شرعيته من التفويض الشعبي وعدالة القضية التي يحملها، لا من أسمائه وأشخاصه. هو ثمرة لإرادة جنوبية متجذرة، فإن أصابته عاصفة بقيت الجذور، وإن تعثر بقيت القضية، لأن الشعوب لا تزول بزوال الأطر التنظيمية، بل تعيد إنتاج أدواتها كلما لزم الأمر.
لقد كان واضحًا منذ البداية أن الجنوب أكبر من أي مجلس، وأعمق من أي قيادة، وأرسخ من أن تهزه انشقاقات محدودة أو مواقف فردية. فالقضية التي ولدت من رحم المعاناة والتضحيات لا يمكن أن تنتهي ببيان عابر أو تسجيل مصور، ولا أن تُختزل في خلاف تنظيمي أو خروج بضعة أفراد عن الصف.
المشهد الأخير، حيث ظهرت ثلة قليلة لا تكاد تُذكر عددًا أو تأثيرًا، محاولة إضفاء صفة كبرى على فعل محدود، يكشف خللًا في قراءة الواقع. فحل أي كيان سياسي لا يكون بقرار أفراد، ولا بإعلان ارتجالي، بل بإرادة قواعده أو بقرار شعبي شامل. أما أن يتوهم قلة أن بإمكانهم إسقاط تفويض شعبي منح في الساحات، فذلك أقرب إلى الوهم منه إلى السياسة.
أدبيات العمل العام تقتضي أن من يختلف يستقيل أو يُصحح من الداخل، لا أن يدّعي حقًا لا يملكه. فالشرعية ليست ورقة تُسحب من الجيب، بل علاقة ثقة بين شعب وممثليه. وإذا كان بعض الأفراد قد اختاروا طريقًا آخر، فإن الجماهير التي صنعت المشهد الجنوبي أوسع وأعمق من أن تتأثر بتحركات هامشية.
سيكولوجية الجماهير تعلمنا أن الشعوب حين تقتنع بعدالة قضيتها تصبح أكثر صلابة أمام الخيبات. قد تسقط أوراق، وقد تتبدل أسماء، لكن الشجرة تبقى. فالجنوب، في وعي أبنائه، مشروع تاريخي لا يرتبط بأشخاص بقدر ما يرتبط بهدف. ومن يظن أن خيانة قلة تكسر شوكته، يخطئ فهم طبيعة الشعوب حين تعي حقها وتتمسك به.