لطالما صمّوا آذاننا بأن العقدة تكمن في الطرف الفلاني وأن عجلة التنمية معطلة لأن هناك من يضع العصي في الدواليب سُوّق للمواطن المطحون وهمٌ مفاده أن خروج الانتقالي الجنوبي من المشهد أو تحجيم دوره سيكون بمثابة عصا موسى التي ستفجر ينابيع الخدمات وتجري رواتب الموظفين كالأنهار وتضيء ليل المدن الحالك اليوم وقد غاب المعرقِل كما زعموا نلتفت يميناً وشمالاً فلا نجد إلا الفراغ ولا نرى إلا واقعاً يزداد بؤساً يوماً بعد آخر .
لقد ثبت بالدليل القاطع أن المشكلة لم تكن يوماً في وجود طرف سياسي بقدر ما هي في عقليات الإدارة وفساد المنظومة التي تتقن فن صناعة المبررات أكثر من إتقانها لفن توفير الكهرباء غادر الانتقالي فماذا كانت النتيجة ؟
الكهرباء أصبحت حُلماً بعيد المنال والغاز المنزلي تحول إلى عملة نادرة تُباع في سوق المزايدات أما الرواتب وهي أبسط حقوق العيش فقد أصبحت تخضع لسياسة التنقيط والإذلال الممنهج .
من المثير للسخرية والمرارة في آن واحد أن نرى أولئك المتبنكسين الذين طبلوا لوعود التحسن بعد إقصاء الشريك الجنوبي يلوذون اليوم بصمت القبور هؤلاء الذين باعوا مواقفهم مقابل وعود زائفة بـ الفردوس القادم يدركون الآن أنهم لم يكونوا إلا أدوات لتمرير أجندة تهدف إلى إغراق المناطق المحررة في الفوضى الخدمية لتركيع المواطن وتدجينه .
لا يحتاج المواطن في عدن أو أبين أو لحج إلى تقارير دولية ليعرف حجم الكارثة فطفح المجاري الذي يغرق الشوارع هو البيان الرسمي الأصدق الذي يعبر عن فشل الحكومة والجهات المعنية بمن فيها الراعي الرسمي المملكة العربية السعودية كيف يمكن لشرعية أو سلطة أن تدعي السيادة وهي تعجز عن صرف راتب جندي يحمي الثغور او موظف أو توفير وقود لمحطة توليد أو حتى الحفاظ على نظافة زقاق ؟
إن محاولة الالتفاف على الفشل الإداري عبر تسييس الخدمات وإلقاء اللوم على الخصوم السياسيين او تركيع الجنوبيين بالخدمات هي بضاعة كاسدة لم تعد تنطلي على أحد المواطن اليوم لا يعنيه من يحكم بقدر ما يعنيه من يخدم لقد جربتم إقصاء الآخرين ودعوتكم لأنكم تملكون الحلول فظهر أنكم لا تملكون سوى العجز الموشح بالغطرسة.
إن الأزمة اليوم ليست أزمة إمكانيات فحسب بل هي أزمة ضمير وأزمة هوية إدارية مفقودة فكفوا عن البحث عن شماعات جديدة فالشعب الذي صبر على الجوع لن يصبر طويلاً على من يسرق ضوء عينه ولقمة عيشه ويحمله فوق ذلك جميلة بقائه في المنصب .
*- عيدروس صلاح المدوري