كيف تحول الجنوب من دولة عضو في الأمم المتحدة إلى شعب يتجرع الجوع؟
عندما تنظر إلى الوضع المأساوي الذي وصل إليه حال الجنوب اليوم، يستعيد العقل مخزونه من الملفات القديمة التي خُتمت بالشمع الأحمر، في وقت ضاعت فيه عقول الرفاق وتعلقت بقشة صنعاء لتنقذها من الغرق.
كان الجنوب دولة ذات سيادة، عضواً في الأمم المتحدة وجميع المنظمات الدولية، وعلم الجنوب يرفرف في شرق الأرض ومغربها. وبغض النظر عن النظام الحاكم آنذاك، إلا أن الجنوب كان يملك سيادة على أرضه وقراره بيده، حتى باعوها الرفاق بثمن بخس: "منصب نائب رئيس وحفنة كراسي وزارية - اسم بلا مسمى". باعوا السيادة والقرار والكرامة في لحظة عابرة داخل نفق مظلم، وجلبوا لنا البؤس من أوسع أبوابه.
اليوم يتجرع شعب الجنوب البؤس والجوع واليُتم والثُكل وانعدام الخدمات، ويعاني الحصار في أبسط موارد عيشه. لا بترول، لا ديزل، لا استقرار للعملة، لا أمن ولا أمان. هذا هو الثمن الذي ندفعه نحن، بعد أن قبضوا هم الثمن.
بالأمس ذهب الجنوب ضحية نزوة ماركسية في زمن غابر، حين رُفع شعار ﴿لنناضل... من أجل تحقيق الوحدة اليمنية!﴾. واليوم نرى كرامة الجنوب تُمتَهن، وسيادته تُنتَهك، وموارده تُنهب، ورجاله يموتون.
يقولون إن للجنوب قضية. ونقول: بل الجنوب أصبح هو القضية.
عندما تشكلت أولى بذور الحراك الجنوبي مطلع ٢٠٠٧، اعتقد الشعب أن بداية الخلاص قد حانت، وأن استعادة الكرامة والسيادة قد بدأت. لكن السوس بدأ ينخر في الحب، ودواب الأرض تأكل منسأته، حتى سقطت السيادة والكرامة، وانتُهكت الأرض، وصار الغريب يتحكم في كل صغيرة وكبيرة في الجنوب. الغريب هو الحاكم، وهو من يعين الرئيس والوزير والمحافظ، بل حتى عامل النظافة!
لماذا كل هذا؟ وكيف وصل الحال إلى هذا المآل؟
لأن الأمور أُسندت إلى غير أهلها، ولأن الرعاع تسنموا صدارة المشهد، بينما الأحرار وُصموا بالخيانة وأُبعدوا بالتهميش أو القتل.
هذه هي الحقيقة. عندما تأتي بالغريب - لا نقول الأجنبي لأنهم أشقاؤنا - وتمنحه كرامة بلادك وسيادتها، وتضع الحبل في عنقك وتطلب منه أن يقودك حيث يشاء، فلا تبكِ على خيبتك ولا تندب حظك. لُم نفسك، لأنك لم تكن على قدر المسؤولية ولست أهلاً لها.
الجنوب اليوم بحاجة إلى رجال المرحلة، فلكل مرحلة رجالها. ويجب على أولئك الذين لا يزالون في المشهد، وقد أثبتت الأيام أنهم ليسوا رجال دولة ولا ثورة، أن يتنحوا جانباً ويتركوا القيادة لمن يستحقها، لاستعادة كرامة الجنوب وسيادته ودولته المستقلة.
حين نقول هذا الكلام لا نتجنى على أحد، لأن الأيام كشفت حقيقتهم. هزة واحدة أفقدتهم توازنهم فأصبحوا شذر مذر، تلاشوا كأنهم دخان عصفت به الريح.
ليعلم الجميع أن الجنوب ليس هؤلاء ولا أولئك. الجنوب شعب أنجب رجالاً قادرين على حمل رايته والدفاع عنه بكل ما أوتوا من قوة. رجال لا يبيعون كرامتهم بالمال، ولا تشتريهم الإغراءات، ولا يخافون في استعادة دولتهم لومة لائم.
إلى أصحاب الدكاكين الجديدة:
لستم شيئاً، وإن استقويتم بالخارج، وإن تمرغتم في قذارة المال المدنس، وإن تغنيتم بقضية الجنوب. فقد كشفتكم الأزمان وعرتكم الأيام. فلا عوراتكم سترتم، ولا كرامتكم حفظتم.
سيعود الجنوب حرا مستقلا ودولة ذات سيادة كاملة، رغم أنف من يعتقد أنه أصبح قادر على تشكيل الجنوب وفق هواه ،الأوطان لاتموت والكرامة لاتباع والسيادة لاتمنح بل تنتزع عنوة .
عاش الجنوب والخزي لكل من يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير : ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ۚ ﴾