*- شبوة برس – أ د أحمد الشاعر باسرده
إن النظر إلى اليمن والجنوب العربي بوصفهما هامشًا جغرافيًا معزولًا عن المنظومة الخليجية يختزل المعادلة الاستراتيجية في بعدها الاقتصادي فقط، ويتجاهل حقائق الجغرافيا السياسية والأمن البحري والتحولات الدولية المتسارعة. فاليمن والجنوب بموقعها المشرف على باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن يشكل إحدى أهم العقد الجيوسياسية في العالم، حيث تمر نسبة مؤثرة من تجارة الطاقة العالمية. وأي فراغ سياسي أو أمني في هذه المنطقة لا يبقى محليًا، بل يتحول سريعًا إلى نقطة جذب للتدخلات الإقليمية والدولية. من هذا المنظور، فإن دمج اليمن – والجنوب العربي على وجه الخصوص – ضمن الترتيبات الخليجية لا يُفهم كعبء، بل كاستثمار استراتيجي في أمن العمق الخليجي ذاته.
لقد تأسس مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981 في سياق إقليمي مضطرب، وكان هاجس الأمن الجماعي ومواجهة التهديدات الخارجية أحد أبرز دوافع إنشائه. ومع التحولات التي شهدتها المنطقة منذ 2011، ثم تصاعد التنافس الدولي في البحر الأحمر، باتت الحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم “الأمن الخليجي” أكثر إلحاحًا. فالأمن لم يعد محصورًا في حدود الدول الست، بل أصبح مرتبطًا بأمن الممرات البحرية، واستقرار الدول المجاورة، ومنع تشكل كيانات هشة تتحول إلى منصات نفوذ لقوى مناوئة. اليمن والجنوب في هذا السياق ليس جارًا فقط، بل هو جزء من المجال الحيوي المباشر لدول الخليج، وأي اضطراب فيه ينعكس مباشرة على أمن الطاقة، وسلامة الملاحة، وحتى الاستقرار الداخلي.
الجنوب العربي تحديدًا يمتلك خصائص استراتيجية مضاعفة؛ فامتداده الساحلي الطويل، وموقعه القريب من خطوط الملاحة الدولية، يمنحانه قيمة جيوسياسية عالية. كما أن تجربة الدولة السابقة في الجنوب قبل الوحدة عام 1990 ما تزال حاضرة في الذاكرة السياسية، وتشكل أساسًا لنقاشات متجددة حول مستقبل العلاقة بين الشمال والجنوب. إن طرح حل الدولتين – إذا جاء نتيجة توافق داخلي وإقليمي – يمكن أن يُقرأ باعتباره محاولة لإعادة إنتاج الاستقرار عبر صيغة جديدة، لا مجرد تفكيك لوحدة ماتت مع الزمن غير أن نجاح أي صيغة من هذا النوع يتطلب ضمانات سياسية وأمنية واقتصادية، إضافة إلى آلية تعاون واضحة بين الدولتين في حال قيامهما، بحيث لا تتحول الجغرافيا الواحدة إلى ساحة صراع بالوكالة.
من زاوية المصالح الخليجية، فإن وجود كيان مستقر في الحنوب العربي منخرط في ترتيبات أمنية واقتصادية مع دول الخليج يمكن أن يشكل حزامًا استراتيجيًا يعزز أمن البحر الأحمر وباب المندب. كما أن دمج الاقتصاد تدريجيًا في المنظومة الخليجية سيوفر فرصًا تنموية تخفف من مسببات الهشاشة، مثل البطالة والفقر، التي غالبًا ما تُستثمر من قبل جماعات مسلحة أو قوى خارجية. وفي المقابل، ستستفيد دول الخليج من سوق سكانية كبيرة، ومن عمق بشري يمكن أن يندمج في مشاريع التنمية الإقليمية الكبرى.
غير أن المقاربة الاستراتيجية الرشيدة تقتضي الحذر من اختزال المسألة في بعدها الأمني فقط. فاليمن –والجنوب – يواجه تحديات بنيوية عميقة تتعلق ببناء مؤسسات الدولة، وإدارة التنوع السياسي والاجتماعي، وتحقيق العدالة الانتقالية. وأي اندماج في تكتلات إقليمية لن يكون بديلًا عن تسوية داخلية شاملة. كما أن قبول الشمال بفكرة الدولتين، وقبول الجنوب بصيغة تعاون مستدام مع الشمال، يتطلبان مسارًا تفاوضيًا يراعي المخاوف والهواجس المتبادلة، ويقدم ضمانات لعدم العودة إلى الصراع.
في ظل التنافس الدولي المتزايد في المنطقة، ومحاولات بعض القوى توسيع نفوذها عبر أدوات غير تقليدية، يصبح من المنطقي أن تفكر دول الخليج في استراتيجيات توسعية مرنة، لا بالمعنى الجغرافي البحت، بل بمعنى توسيع دائرة الاستقرار. فالتكتلات الإقليمية الناجحة في العالم لم تُبنَ فقط على التقارب الاقتصادي، بل على إدراك مشترك بأن الأمن غير قابل للتجزئة. ومن هذا المنطلق، فإن إعادة دمج اليمن والجنوب – بصيغة سياسية يتوافق عليها أبناؤه – ضمن الفضاء الخليجي يمكن أن يحول نقطة الضعف التاريخية إلى نقطة قوة.
أن تجاهل اليمن والجنوب في الحسابات الخليجية يمثل قراءة قصيرة الأمد، لأن الجغرافيا لا يمكن تغييرها، ولأن الفراغ لا يدوم. إما أن يُملأ بتكامل إقليمي يحقق المصالح المشتركة، أو يُترك مفتوحًا لتجاذبات وصراعات تستنزف الجميع. إن إيجاد حل عادل للقضية الجنوبية، بما يحقق تطلعات شعب الجنوب ، و في إطار دولتين متعاونتين ضمن جغرافيا واحدة، ينبغي أن يُنظر إليه كجزء من رؤية أوسع لإعادة هندسة الأمن الإقليمي، بما يحقق الاستقرار لشعوب المنطقة ويصعب على أي طرف معادٍ تجاوزها أو اختراقها .. المطلوب هيكلة وتحديث الأفكار السلبية خليجيا تجاه اليمن والجنوب
ا.د احمد الشاعر باسردة
رئيس تجمع إتحاد الجنوب العربي South Arabian Federation Gathering