في كل مرحلة تمر بها قضية الجنوب، تظهر أصوات تحاول التحدث باسم التحرير والاستقلال، لكنها في الممارسة الفعلية لا تقدم سوى خطاب مشحون بالمناطقية والفرقة. هذه الظاهرة ليست جديدة، لكنها تتكرر بأشكال مختلفة كلما اقترب الجنوب من لحظة سياسية مفصلية.
محرر شبوة برس يرى أن بعض من يطلقون على أنفسهم صفة “الرفاق” لا يترددون في رفع شعارات كبرى عن الحرية والتحرير، بينما تمتلئ منصاتهم وخطاباتهم بلغة التحريض ونبش الخلافات القديمة بطريقة لا تخدم سوى تعميق الانقسام بين أبناء الجنوب. فبدلاً من أن يكون النقاش موجهاً نحو استعادة الدولة وبناء المستقبل، يتحول إلى حملات تخوين وتصفية حسابات مع كل طرف جنوبي لا ينسجم مع رؤيتهم الضيقة.
المفارقة أن كثيراً من هذه الأصوات لم تكن يوماً في صف المشروع الجنوبي عندما كان يخوض أصعب مراحله. فقد هاجمت في مراحل سابقة الحراك الجنوبي وقياداته التاريخية، ثم ما لبثت أن وجهت سهامها لاحقاً نحو مؤسسات وقوى جنوبية أخرى، بينما بقي خطابها يدور في حلقة واحدة: ادعاء الدفاع عن الجنوب في العلن، والعمل على تفتيت صفه في الواقع.
واللافت أكثر أن الحديث عن “التحرير” لدى هذه الأصوات يبدو مجرد شعار فارغ من مضمونه، إذ نادراً ما نجد في خطابهم ما يعكس هوية الجنوب أو تضحيات أبنائه، بل نجد بدلاً من ذلك حضوراً كثيفاً للجدل والصراعات الصغيرة التي تستنزف طاقة المجتمع وتبعده عن هدفه الرئيسي.
القضية الجنوبية، كما يراها محرر شبوة برس، لم تكن يوماً مشروعاً للمكايدات أو تصفية الحسابات، بل مشروع شعب يسعى إلى استعادة دولته وكرامته. ومن يختار طريق التحريض وإثارة الشقاق لا يمكن أن يكون جسراً نحو الحرية، لأن الطريق إلى الاستقلال لا يُبنى بالكراهية، بل بوحدة الصف ووضوح الهدف.
لقد أصبح وعي الشارع الجنوبي اليوم أكثر قدرة على التمييز بين من يعمل لمصلحة القضية ومن يحاول استثمارها لمعاركه الخاصة، ولهذا فإن الأصوات التي تعتاش على الفتنة لن تجد في النهاية سوى صدى محدوداً في فضاء سياسي يتجه تدريجياً نحو فرز المواقف وكشف الحقائق.