*- شبوة برس - لطفي الداحمة
الهوية الجنوبية ليست مجرد لحظة عابرة تثار في أوقات الحماسة، إنما امتداد عميق لجذور ضاربة في التاريخ، تشكلت عبر نضالات طويلة وتجارب إنسانية وثقافية صنعت ملامح إنسان الجنوب، في حضرموت تحديداً، تتجلى هذه الهوية بوضوح حيث يلتقي الإرث الحضاري بروح الانتماء، ليصنعا معاً شخصية متفردة يصعب اختزالها أو تذويبها.
على مدار تاريخها، نجحت حضرموت في الحفاظ على خصوصيتها دون أن تنعزل عن محيطها الجغرافي والثقافي، كجزء أصيل من الجنوب، تتقاسم معه الهم والمصير وملتزمة برؤية واحدة تتجاوز الخلافات السياسية الطارئة، العلاقة بين أبناء الجنوب ليست مجرد علاقة سياسية، هي روابط اجتماعية وثقافية تبلور شعوراً مشتركاً بالانتماء لقضية واحدة، مما يعزز الوحدة والتماسك.
التحديات الحالية التي تواجه الجنوب، وفي قلبها حضرموت، لا تقتصر على النزاع على الأرض، كما تسعى بعض الأطراف إلى استهداف الهوية نفسها، تأخذ هذه المحاولات شكل إعادة تشكيل الوعي وتفكيك الانتماء عبر الضغط السياسي والثقافي، ولكن الحقيقة الثابتة أن الهوية الجنوبية التي تبلورت في الوجدان الشعبي لا يمكن اقتلاعها أو تحريفها بقرارات سلطوية.
المسؤولية في الحفاظ على الهوية لا تقع على القيادات فقط، تشمل كل فرد جنوبي، الهوية ليست مجرد موقف سياسي، بل منظومة قيم تبدأ من احترام الذات، وتمتد لتشمل الحفاظ على الأرض، وتنتهي بالاعتراف بحق الأجيال القادمة في امتلاك مستقبل واضح المعالم، هذا الالتزام يترجم في السلوك اليومي قبل أي شعارات.
حضرموت، بموقعها التاريخي وبشريتها الغنية، يمكن أن تكون ركيزة أساسية في بناء وترسيخ الهوية الجنوبية، هي ليست مجرد جزء تابع، بل شريك فاعل في تشكيل المرحلة القادمة. ويتطلب ذلك وعياً جماعيًا يأبى الانقسام ويؤمن بأن قوة الجنوب تكمن في وحدة أبنائه وتماسكهم في مواجهة التحديات.
في النهاية، تظل الهوية الجنوبية في حضرموت حقيقة ثابتة لا يمكن تجاوزها أو إقصاؤها، إنها خلاصة تاريخ طويل من التكوين والنضال، ومنذ غزو الجنوب صيف 1994م، تحول الصراع إلى معركة وجودية استهدفت الأرض والإنسان والهوية الجنوبية في محاولة لفرض واقع يتنافى مع إرادة أبنائها.
هذا الوعي العميق بطبيعة المرحلة أسهم في تعزيز التمسك بالهوية كخيار مصيري يرتبط بالكرامة وحفظ المستقبل، وحين يعي الجميع هذه الحقيقة، يصبح الطريق نحو المستقبل أكثر وضوحاً وأقرب إلى تحقيق تطلعات الشعب في الحرية والكرامة.