في حضرموت، حيث تنام الجبال كرجالٍ متكئين على تاريخٍ طويل، وحيث يعرف الناس أن الصبر ليس ضعفًا بل انتظار اللحظة المناسبة، انفكت عقدة الصمت اليوم. القبائل التي ظلت لسنوات تحت سقف “الحلف والجامع” أدركت أن الوقت قد حان لتغيير قواعد اللعبة، وأن الرئاسة ليست جَبَدًا يُورّث، ولا كعكة تُقتسم بين خاصّة قوم دون بقية القبائل.
اليوم كان الاجتماع مختلفًا، لم يكن صورة تذكارية ولا مديحًا متبادلاً. كان لحظة الحسم: قرارٌ صريح بإعادة هيكلة الحلف وتدوير رئاسته بين جميع القبائل، كما تدور مواسم المطر، ليأخذ كل ذي حق حقه بلا فضل ولا منّة.
ولمن يغمز ويلمز نقولها واضحة:
حضرموت أولاً، وهذا ليس شعارًا موسميًا، بل حقيقة وجودية.
حضرموت هي الجنوب، والجنوب هو حضرموت.
معادلة لا يمكن لأحد كسرها مهما حاول، تمامًا كاستحالة فصل البحر عن موجه.
ولأن كل تغيير يحتاج إلى علامة فارقة، ظهر اليوم الصميل الأخضر.
ليس الصميل أداة تهديد كما يعتقد البعض، بل رسالة حضرمية خالصة: أن الصبر انتهى، وأن العدالة لا بد أن تأخذ مجراها. ومن لا يعرف معنى الصميل الأخضر فليتحسس أمّ رأسه… فوقعه لا يخطئ.
الهيكلة الجديدة لم تأتِ لنسف تاريخ، بل لتصحيح مسار. فهي إعلان أن حضرموت لا تُدار من جيب أحد، ولا تُختزل في رغبة فرد أو قبيلة. إنها ملكٌ لجميع أهلها، وكل القبائل شريكة في القرار، كما هي شريكة في الأرض والشرف والمصير.
وهنا تأتي الرسالة لمن يحشر أنفه فيما لا يعنيه وهي الرسالة التي لا بد منها:
إلى كل “المسترجلين” في الشمال،
نقولها بالفم المليان وبلا لفّ ولا دوران:
إذا كان فيكم بعض نخوة، ولو ذرة غيرة على صنعاء، فافعلوا كما فعل المجلس الانتقالي حين وضع حدًا لمن حاول أن يغرد خارج سرب الدولة في عدن.
أعيدوها كما أعادها..
واضبطوا بيتكم قبل أن تمدّوا أعينكم جنوبًا حيث لستم شركاء في الدم ولا الأرض ولا القرار.
الجنوب يعرف كيف يدير شأنه بنفسه.
ومن لا يستطيع أن يحرر شارعًا واحدًا في صنعاء، فالأجدر به ألا يتدخل فيما لا يعنيه.
فالشمال أولى بغيرتكم، وصنعاء أولى برجولتكم المبعثرة، والجنوب ليس ساحة مفتوحة لبطولات الفيسبوك.
هكذا تمضي حضرموت اليوم إلى عهد جديد، تتكئ فيه على عدل القبيلة وحكمة التاريخ، وترفع رايتها خضراء نقية، مثل صميلها الذي لا يرفع إلا حين لا يبقى مجال للكلام.
ومن لم يسمع وقع الصميل الأخضر اليوم…
فغداً سيعرف أثره جيدًا.
علي سيقلي