من يقول إن مليونيات الجنوب من نتاج الذكاء الاصطناعي إنما يكشف في الحقيقة عن عجزه عن فهم ما يجري على الأرض وعن فشله في قراءة نبض الشارع. فالجماهير التي تملأ الساحات ليست صوراً على شاشات ولا خدعةً برمجية، بل أقدام ثابتة على التراب وأصوات خرجت من صدورٍ مثقلةٍ بالتهميش وصنعتها المعاناة الطويلة لا الخوارزميات.
الذكاء الاصطناعي وسيلة لتطوير المجتمع وخدمة الإنسان وليس أداة لمحو إرادة الشعوب أو تزوير وعيها. غير أن العاجزين عن مواجهة الحقيقة يحوّلونه إلى شماعة يعلّقون عليها إخفاقاتهم وغطاء يخفون خلفه خوفهم من الشارع. فمن يرفض الاعتراف بالواقع يسمّيه تزويراً ومن يعجز عن رؤية الإرادة الحيّة يصفها بالوهم الرقمي.
والغريب أن من يربط كل شيء بالذكاء الاصطناعي يفتقد إلى أبسط مقومات البصيرة السياسية. فلو كانت الإرادة تُخلق بالأكواد والخوارزميات لما احتاجت الشعوب إلى تاريخ أو تضحيات أو دماء. ولو كانت المليونيات مجرّد صور وفبركات لما اهتزّت المواقف ولا تكشّفت الحسابات أمامها.
الواقع لا يكذب والأفكار الصادقة لا تُزوَّر والصوت حين ينبع من الجماهير لا يُختزل في ملفات أو شاشات.
إرادة الشعوب تولد من الألم والوعي والحق لا من المختبرات أو السيرفرات.
ومن لا يرى ذلك سيظل أسير شاشة يفسّر الشمس ضوءاً صناعياً ويحسب الحقيقة مجرّد فلتر.