من الذي ذهب إلى الوحدة طوعاً؟
ومن الذي حوّلها إلى مشروع غلبة ونهب وإقصاء؟
ومن الذي مزق الاتفاقيات وأشعل الحروب وغزا الأرض والإنسان؟
الحقيقة التي يعرفها الجميع، لكن البعض يحاول طمسها، أن الجنوبيين هم من ذهبوا إلى الوحدة بقلوب مفتوحة، دون شروط تعجيزية أو حسابات ضيقة. هم من تنازلوا عن العاصمة، وهم من قبلوا بتغيير العلم والعملة، وهم من سلّموا مؤسسات دولتهم وثرواتهم في سبيل حلم الدولة الواحدة.
لم يذهب الجنوبيون إلى الوحدة بدباباتهم، ولم يغزوا الشمال، ولم يفرضوا مشروعهم بالقوة، بل قدموا دولتهم كاملة على طبق من حسن النية.
لكن ماذا كان المقابل؟
تمزيق وثيقة العهد والاتفاق قبل أن يجف حبرها، استهداف الألوية الجنوبية في عمران وذمار، ثم إعلان حرب شاملة على الجنوب في صيف 1994، حرب لم تكن دفاعاً عن وحدة، بل حرباً لتكريس الضم والإلحاق ونهب الأرض والثروة.
بعد الحرب، بدأ مسلسل الإقصاء المنظم:
عشرات الآلاف من العسكريين والمدنيين الجنوبيين تم تسريحهم قسراً، أكثر من 160 مصنعاً ومؤسسة تم تدميرها أو بيعها، الأراضي نُهبت، الثروات صودرت، وتحول الجنوب إلى ساحة مفتوحة للنفوذ والنهب.
لم يتوقف الأمر عند ذلك. ففي عام 2015، تكررت الغزوة من جديد، حين اجتاحت قوات الحوثي وصالح الجنوب تحت ذرائع واهية، فدُمرت المدن وسقط الشهداء، قبل أن ينتفض الجنوبيون ويدافعوا عن أرضهم، ويحرروها بدمائهم، دون أن يذهبوا لغزو الشمال أو الانتقام منه.
ثم جاءت مرحلة أخرى من الحملات الإعلامية والسياسية التي اتهمت الجنوبيين بأقبح الأوصاف، وكفّرتهم، ووصفتهم بأنهم غرباء في أرضهم، في محاولة لكسر إرادتهم وتحويلهم إلى شعب مهزوم.
وعندما ظهر المجلس الانتقالي الجنوبي معبّراً عن إرادة قطاع واسع من أبناء الجنوب، بدأ حصار اقتصادي وخدمي غير مسبوق.
انهارت العملة، انقطعت الرواتب، غابت الخدمات، وغرقت المدن في الظلام، وكأن معاقبة شعب بأكمله أصبحت وسيلة ضغط سياسية.
والأخطر من ذلك أن تحسن الخدمات وعودة الكهرباء في بعض المراحل لم يكن نتيجة حلول حقيقية، بل بدا وكأنه قرار سياسي يُستخدم كأداة عقاب أو مكافأة، ما كشف بوضوح أن معاناة الناس كانت ورقة ابتزاز لا أكثر.
فمن هم الانفصاليون الحقيقيون؟
هل هم الجنوبيون الذين ذهبوا إلى الوحدة طوعاً، وتنازلوا عن دولتهم ومكتسباتهم، ولم يغزوا الشمال رغم كل ما جرى؟
أم الذين مزقوا الاتفاقيات، وأشعلوا الحروب، وغزوا الجنوب مراراً، ونهبوا ثرواته، ثم حاصروا شعبه في لقمة عيشه وخدماته؟
الحقيقة الصارخة أن من مارس الإقصاء والضم بالقوة، ومن مزق الشراكة، ومن حوّل الوحدة إلى غنيمة حرب، هو الانفصالي الحقيقي، لأنه هو من فصل الوحدة عن معناها، وفصل الدولة عن العدالة، وفصل الشعب عن حقوقه.
أما الجنوبيون، فقد كانوا وحدويين حين ذهبوا إلى الوحدة طوعاً، وأصبحوا اليوم أصحاب قضية عادلة، يسعون لاستعادة دولتهم وكرامتهم، بعد أن سُلبت منهم بالقوة.
وسيبقى شعب الجنوب، رغم الحصار والظلم والعذابات، ثابتاً على موقفه، لا يركع إلا لله، ولا يقبل أن يكون تابعاً أو ضحية لمشاريع الهيمنة والنهب.
عدن
6 فبراير 2026