لم تكن معاناة أبناء الجنوب خلال السنوات الماضية معاناة عابرة أو ظرفية، بل كانت وجعًا يوميًا متراكمًا، طال كل بيت وكل أسرة، وفي مقدمة ذلك الانقطاع المزمن للكهرباء، الذي تحوّل من أزمة خدمية إلى مأساة إنسانية حقيقية.
لقد عاش المواطن الجنوبي صيفًا ملتهبًا بلا كهرباء، وشتاءً قاسيًا بلا تدفئة، في منازل تحولت إلى أفران نهارًا، وغرف مظلمة ليلًا، بينما كانت الأسر تكابد العجز عن توفير أبسط مقومات الحياة. لم يكن انقطاع الكهرباء مجرد انطفاء للضوء، بل انطفاء لراحة الناس، وتعطيل لحياتهم، وإرهاق لأجسادهم وأعصابهم، وتهديد مباشر لصحتهم.
وتضاعفت المأساة حين امتد أثر انقطاع الكهرباء إلى المرضى وكبار السن والأطفال. مرضى القلب، والسكري، وأمراض الجهاز التنفسي، ومرضى الغسيل الكلوي، وذوو الاحتياجات الخاصة، جميعهم دفعوا ثمنًا قاسيًا. كثير من المرضى عانوا في منازلهم دون أجهزة تبريد أو تهوية، وكثير منهم فقدوا القدرة على حفظ الأدوية التي تحتاج إلى تبريد، في ظل صمت رسمي لا يليق بحجم الكارثة.
أما المستشفيات والمرافق الصحية، فقد واجهت تحديًا أكبر، حيث عملت في كثير من الأحيان على مولدات متهالكة، أو توقفت بعض الأقسام عن العمل كليًا، مما ضاعف من معاناة المرضى، وأجبر الكثيرين على البحث عن العلاج في ظروف قاسية، أو البقاء في منازلهم وهم يصارعون الألم والعجز.
ولم تتوقف المعاناة عند الكهرباء، بل امتدت إلى تدهور شامل في الخدمات العامة:
مياه شحيحة، خدمات صحية متعثرة، تعليم يواجه صعوبات، وطرق وبنية تحتية مهملة، في وقت كان فيه المواطن الجنوبي يشعر أنه متروك لمصيره، بلا حماية، ولا رعاية، ولا أفق واضح.
وزاد الطين بلة انقطاع الرواتب أو تأخيرها لآلاف الموظفين والعسكريين، الذين وجدوا أنفسهم عاجزين عن تلبية احتياجات أسرهم، في ظل ارتفاع جنوني للعملة وتدهور القدرة الشرائية. أصبح الراتب – إن صُرف – لا يكفي لأيام معدودة، بينما الأسعار تواصل صعودها بلا رقيب، والغذاء والدواء والوقود تتحول إلى كماليات لا يقدر عليها كثيرون.
هذه المعاناة المتراكمة لم تكن نتيجة عجز فني أو نقص موارد، بل جاءت في سياق سياسي واضح، جعل أبناء الجنوب يشعرون بأن الخدمات تحولت إلى ورقة ضغط، وأن معاناتهم تُدار ببرود، وكأنها وسيلة لإخضاع الشارع أو كسر إرادته، أو تشويه القوى الجنوبية وفي مقدمتها المجلس الانتقالي الجنوبي، عبر تحميله مسؤولية أزمات لا يملك قرارها ولا أدوات حلها.
واليوم، حين نشهد تحسنًا نسبيًا في بعض الخدمات، يبرز السؤال من جديد:
إذا كانت الحلول ممكنة اليوم، فلماذا تُرك المواطن الجنوبي كل تلك السنوات يواجه العذاب وحده؟
ولماذا لم يُنظر لمعاناته كأولوية إنسانية ووطنية؟
إن هذه التجربة المريرة أكدت لأبناء الجنوب حقيقة لا يمكن تجاهلها، وهي أن الخدمات لا تستقر إلا بقرار وطني مستقل، وأن كرامة الإنسان مرتبطة بامتلاكه لقراره، لا بانتظار معالجات مؤقتة أو وعود موسمية.
من هنا، فإن استعادة دولة الجنوب لم تعد مجرد مطلب سياسي أو حلم مؤجل، بل باتت ضرورة حياتية، لضمان حقوق الناس في الكهرباء، والصحة، والتعليم، والراتب، والحياة الكريمة. دولة يكون فيها القرار خادمًا للشعب، لا أداة لمعاقبته، ومؤسسات تُدار بروح المسؤولية، لا بعقلية الابتزاز السياسي.
ختامًا، فإن معاناة أبناء الجنوب يجب أن تُروى كما هي، لا للتباكي، بل لاستخلاص الدرس:
أن الطريق نحو الاستقرار الحقيقي، والخدمات المستدامة، وحماية الإنسان، يمر حتمًا عبر استعادة دولة الجنوب، وبناء مؤسساتها على أسس العدالة والمساءلة واحترام كرامة المواطن.
عدن – 30 يناير 2026