من المؤسف حقًا أن نسمع، ونقرأ، ونشاهد في الآونة الأخيرة خطابًا صادرًا عن بعض النخب اليمنية لا يمتّ إلى الحكمة ولا إلى روح التعايش بصلة، خطابًا مستفزًا ومتعاليًا على أبناء الجنوب العربي، يفيض بالتهديد والوعيد، ويستحضر لغة القوة بدل لغة العقل، ولسان الإقصاء بدل خطاب الشراكة.
كان الأجدر بهذه النخب – إن كانت صادقة في حديثها عن الوطن – أن تتبنى خطاب العيش بسلام، وأن تدعو إلى التعايش الحقيقي، وأن ترفع شعار “نعيش معًا ونتقاسم رغيف الخبز سويًا” على أساس العدالة والاحترام المتبادل. لكن الواقع، وللأسف، جاء عكس ذلك تمامًا. فبدل لغة السلام، سمعنا لغة “الوحدة أو الموت”، وبدل خطاب الأخوة، شاهدنا تحريضًا فجًّا، وتهديدات صريحة بسفك الدماء، حتى بلغ الأمر بالبعض إلى القول إن “الدماء ستسيل إلى الركب”، في مشهد يعكس إفلاسًا أخلاقيًا وسياسيًا خطيرًا.
الأخطر من ذلك، هو الانحدار في الخطاب إلى مستوى الإهانات العنصرية، حين يتم وصف أبناء الجنوب بأوصاف مشينة مثل “الهنود” أو “الصومال”، وكأن الجنوب وأهله ليسوا أصحاب أرض وتاريخ وهوية، بل مجرد تابعين أو طارئين. هذا الخطاب لا يكشف فقط عن عنصرية مقيتة، بل يفضح عقلية استعلائية لم تستوعب بعد أن الزمن تغيّر، وأن الشعوب لا تُحكم بالقوة، ولا تُخضع بالتهديد.
إن دفاع هؤلاء عن “الوحدة” لا ينطلق من حب أو ود أو قناعة حقيقية بالتعايش، بل من حرص واضح على المصالح، وعلى استمرار السيطرة، وعلى نهب ثروات الجنوب والاستحواذ على أرضه ومقدراته. فلو كانت الوحدة عادلة ومنصفة، لما احتاجت إلى فوهة بندقية، ولا إلى خطاب كراهية، ولا إلى تهديد بالإبادة.
إن أبناء الجنوب العربي اليوم أكثر وعيًا وإدراكًا من أي وقت مضى. يدركون أن هذا الخطاب المتشنج ليس سوى محاولة يائسة لإرهابهم، وصرف الأنظار عن جوهر القضية: قضية أرض مسلوبة، وثروة منهوبة، وشعب حُرم من حقه في تقرير مصيره. كما يدركون أن السلام الحقيقي لا يُبنى بالإكراه، وأن الوحدة التي تُفرض بالقوة لا تصمد، ولا يمكن أن تكون أساسًا لوطن مستقر.
ختامًا، نقولها بوضوح: خطاب التهديد والعنصرية لن يعيد وحدة، ولن يصنع وطنًا، ولن يكسر إرادة شعب. وحده خطاب العدالة، والاعتراف بالحقوق، والاحترام المتبادل، هو الطريق إلى السلام. وما عدا ذلك، فليس سوى ضجيجٍ يعبّر عن خوفٍ عميق من حقيقة باتت واضحة للجميع: أن الجنوب لن يقبل بعد اليوم أن يكون غنيمة، ولن يخضع لخطاب الوصاية والتعالي، مهما علت الأصوات.
عدن – 3 فبراير 2026