المشروع الوطني الجامع: شروط موضوعية لنجاح أي حوار جنوبي في الرياض.

2026-03-09 20:16

 

في خضم التحضيرات لحوار يمني-جنوبي يعقد تحت رعاية سعودية في الرياض، يبرز سؤال جوهري يجب أن يسبق أي نقاش آخر: هل هذا الحوار مصمم ليكون حلاً حقيقياً للقضية الجنوبية، أم أنه مجرد ترتيبة سياسية جديدة تهدف إلى احتواء الأزمة دون معالجتها من جذورها؟

 

التجارب السابقة علمت أبناء الجنوب أن الحضور من أجل الحضور، أو المشاركة في حوارات بلا ضمانات، هو شكل من أشكال إضفاء الشرعية على نتائج قد تكون محسومة سلفاً. لذلك، لا يمكن الحديث عن حوار جاد ما لم يتم استيفاء مجموعة من الشروط الموضوعية التي تحوّله من مجرد اجتماع تشاوري إلى مشروع وطني جامع يعيد للقضية الجنوبية هيبتها ويعبر عن تطلعات شعبها.

 

هذه هي الشروط الأساسية التي يجب على كل جنوبي غيور أن يتمسك بها كحد أدنى للمشاركة في أي حوار يزعم أنه يبحث حلاً للقضية الجنوبية:

 

أولاً: تصحيح المرجعية - من دعا ولمن؟

 

أي حوار وطني يجب أن يكون نتاج إرادة وطنية خالصة. الدعوة إلى الحوار يجب أن تكون صادرة عن هيئة جنوبية توافقية أو ممثلين حقيقيين للمحافظات الجنوبية، وليس طرفاً سياسياً واحداً (حتى لو كان رئيس مجلس القيادة الرئاسي) إذا كان يُنظر إليه على أنه جزء من المشكلة وليس الحل. أن يُعقد الحوار على أرض جنوبية (عدن، حضرموت، أو غيرها) يمنحه شرعية رمزية كبرى. فالحوار الذي يُعقد خارج الأرض المتنازع عليها يُبقي شكوكاً حول كونه حواراً وطنياً مستقلاً أم ترتيبة إقليمية.

 

ثانياً: التمثيل العادل والقانوني للمحافظات الجنوبية

 

لا يمكن اختزال القضية الجنوبية في بضعة أشخاص أو مكونات موالية لأحزاب شمالية. المشاركة في الحوار يجب أن تخضع لأسس واضحة:

 

· التمثيل المحافظاتي: أن يكون لكل محافظة جنوبية (عدن، لحج، أبين، شبوة، حضرموت، المهرة، الضالع ، سقطرى) عدد من المقاعد يتناسب مع ثقلها السكاني والسياسي، يتم اختيار ممثليها عبر آليات توافقية أو عبر قياداتها الطبيعية والمجتمعية، وليس عبر الإنتماءات الحزبية الشمالية.

· التمثيل السياسي والاجتماعي: أن يشمل الحوار كل المكونات الجنوبية الحقيقية، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي الجنوبي الذي ظل الحامل الرئيسي للقضية، إلى جانب الشخصيات الوطنية المستقلة والمشايخ والعقال والمكونات المجتمعية، بعيداً عن أجندات أحزاب صنعاء.

 

ثالثاً: ضمانات تنفيذ المخرجات

 

أي حوار بلا ضمانات هو استهلاك للوقت. يجب أن تتضمن بنود الحوار مسبقاً آلية واضحة لضمان تنفيذ أي مخرجات يتم الاتفاق عليها:

 

· أن تكون الرعاية السعودية، إلى جانب الأشقاء في الإمارات ودول التحالف، ملزمة بتوفير ضمانات كتابية بتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، مع وجود آلية متابعة زمنية.

· أن تشمل الضمانات دعماً دولياً واضحاً، عبر تأييد الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية ومجلس الأمن لأي مخرجات نهائية، مع وضع عقوبات على أي طرف يعطل التنفيذ.

 

رابعاً: نزع فتيل الأزمة قبل الحوار

 

لا يمكن الدخول في حوار والمكونات الأساسية للقضية في حالة تفكيك أو فراغ. أي قرارات إدارية أو تنظيمية تم اتخاذها قبل الحوار (مثل حل المجلس الانتقالي أو أي كيان جنوبي رئيسي) يجب أن تكون قابلة للمراجعة أو التعليق، لأن المشاركة بحالة ضعف تنظيمي تعني الدخول في مفاوضات من موقع هشاشة سياسية. القوة التفاوضية للجنوب تكمن في وحدته التنظيمية، وليس في تشتتها.

 

خامساً: البوصلة النهائية - الاستفتاء الشعبي

 

الحديث عن حل القضية الجنوبية يجب أن يقود في النهاية إلى المحطة الأهم: الإرادة الشعبية. مهما كانت مخرجات الحوار، لا يمكن أن تكون ملزمة أو شرعية دون العودة إلى صاحب القضية الأصلي وهو شعب الجنوب. لذلك، يجب الاتفاق مسبقاً على أن أي حل سياسي سيتم طرحه في استفتاء عام، حر ونزيه، يشرف عليه الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، وبمراقبة دولية. هذا الشرط هو الضمانة الوحيدة بأن الحوار لن يتحول إلى "وصاية" جديدة على إرادة الجنوبيين.

 

الخلاصة:

المشكلة ليست في الحوار كفكرة، فالحوار مطلوب دائماً. المشكلة في شروط إنجاحه. إذا كان الطرف الداعي والراعي للقاء جادين في الوصول إلى حل عادل، فإن قبول هذه الشروط أو مناقشتها بجدية سيكون أول وأهم مؤشر على تلك الجدية. أما إذا قوبلت هذه المطالب المشروعة بالرفض أو التجاهل، فسيكون ذلك دليلاً قاطعاً على أن ما يجري هو مجرد "مناورة سياسية" غايتها الحفاظ على الوضع القائم، وليس حلاً حقيقياً لقضية شعب ينتظر الحرية وتقرير مصيره منذ عقود.

 

فهل تستجيب الدعوة لمنطق الحق والعدالة، أم تبقى القضية رهينة الأجندات الضيقة؟ الأيام القادمة كفيلة بالإجابة.

 

عدن تسعه مارس 2026