الحوار في الرياض: بين الدعوة الرسمية ومتطلبات التهيئة الواقعية وبين أوامر القبض القهري

2026-04-16 08:03

 

في كل تجارب الشعوب، لا يُعد الحوار مجرد دعوة تُطلق أو اجتماع يُعقد، بل هو عملية متكاملة تتطلب تهيئة شاملة على مختلف المستويات، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لضمان نجاحه وتحقيق أهدافه.

وفي السياق اليمني، ومع الدعوات التي أطلقها فخامة الرئيس رشاد محمد العليمي لإجراء حوار جامع في العاصمة السعودية الرياض، برزت مؤشرات إيجابية من حيث الاعتراف بالقضية الجنوبية بوصفها قضية عادلة، وضرورة معالجتها بما يتوافق مع تطلعات أبناء الجنوب العربي. وهو تطور مهم يُحسب للقيادة السياسية، ويعكس إدراكًا متزايدًا لحجم وتعقيد هذه القضية.

غير أن نجاح أي حوار، مهما كانت نواياه حسنة، يظل مرهونًا بمدى توفر بيئة ملائمة تُشعر الأطراف المعنية بالثقة والاطمئنان. فتهيئة الأجواء لا تكون فقط عبر التصريحات، بل من خلال خطوات عملية على الأرض، تبدأ بتحسين الخدمات الأساسية، وصرف الرواتب، ورفع المعاناة عن المواطنين، بما يعزز مناخ الثقة ويمهد الطريق لحوار جاد ومسؤول.

وفي المقابل، فإن ما نشهده من إجراءات متناقضة، كإصدار مذكرات وإجراءات قهرية بحق بعض القيادات الجنوبية، يبعث برسائل سلبية لا تنسجم مع روح الحوار. ومما زاد من حدة هذا التناقض، صدور مذكرة من النائب العام مؤخرًا تقضي بالقبض القهري على الأستاذ وضاح الحالمي، القائم بأعمال الأمين العام للمجلس الانتقالي الجنوبي، في خطوة أثارت الكثير من التساؤلات حول توقيتها ودلالاتها السياسية، خاصة وأنها جاءت في ظل الحديث عن حوار شامل يفترض أن يقوم على التهدئة وبناء الثقة.

ولا يمكن فصل هذا القرار عن سلسلة من المؤشرات السابقة التي أثارت القلق في الأوساط الجنوبية، بدءًا من تداول أنباء ومحاولات تتعلق بإقصاء بعض القيادات من مواقعها السياسية، وصولًا إلى حملات الاستهداف الإعلامي والسياسي التي طالت شخصيات بارزة، من بينها قيادات في المجلس الانتقالي الجنوبي، الأمر الذي خلق حالة من الاحتقان وعدم الارتياح. كما أن تزامن هذه الإجراءات مع الدعوة إلى الحوار يطرح تساؤلات مشروعة حول جدية التوجه نحو شراكة حقيقية قائمة على الاحترام المتبادل.

إن تكرار مثل هذه الممارسات، سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة، وفي هذا التوقيت الحساس تحديدًا، يعمّق فجوة الثقة بين الأطراف، ويعطي انطباعًا بأن هناك ازدواجية بين الخطاب السياسي الذي يدعو إلى الحوار، والممارسة على الأرض التي قد تُفهم على أنها تسير في اتجاه مغاير.

فمثل هذه الإجراءات قد تُفسر على أنها تضييق سياسي أو محاولة لإعادة تشكيل موازين القوى قبل الدخول في أي عملية تفاوضية، الأمر الذي قد ينعكس سلبًا على فرص نجاح الحوار المرتقب.

إن الحوار الحقيقي لا يُبنى على الضغوط، بل على التفاهم والاحترام المتبادل، وعلى الإقرار الصادق بحقوق الأطراف المختلفة، والعمل الجاد على معالجة القضايا الجوهرية بعيدًا عن أي ممارسات قد تعمق فجوة الثقة.

ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس فقط الدعوة إلى الحوار، بل اتخاذ إجراءات ملموسة تهيئ له، وتؤكد حسن النوايا، وتُظهر التزامًا حقيقيًا بإيجاد حلول عادلة ومستدامة.

إن أبناء الجنوب، وهم الذين دخلوا الوحدة بإرادة صادقة، ما زالوا يتطلعون إلى حل عادل يعيد لهم حقوقهم ويحقق تطلعاتهم. وأي حوار لا يلامس هذه الحقيقة، ولا يُبنى على أسس واضحة من العدالة والإنصاف، لن يكتب له النجاح.

وفي الختام، يبقى الأمل معقودًا على أن تتحول الدعوات إلى أفعال، وأن يُبنى الحوار المرتقب على أسس من الثقة والجدية، بما يخدم مستقبل البلد ويحقق تطلعات جميع أبنائه.