الاعلام الجنوبي.. بين الحاجة إلى الرؤية وضرورة صياغة الوعي

2026-03-12 13:18

 

اجد نفسي كأستاذ اعلام مطالب ان اسلط الضوء على مسيرة الإعلام الجنوبي الذي اعتبر نفسي جزء منه ، واعيشه كائن حي في وجداني وفي غربتي مما يقرّبني وجوديا بأبواب ونوافذ الوطن الذي أتنفس ذكره ليلا ونهارا   من هنا ، اجد ان أي مرحلة  من المراحل التاريخية الحساسة التي تمر بها الشعوب، لا يكون الإعلام مجرد وسيلة لنقل الأخبار أو منصة للتعبير عن المواقف السياسية، بل يتحول إلى قوة فاعلة في تشكيل الوعي العام وتوجيه البوصلة الوطنية. والساحة الجنوبية اليوم تقف أمام لحظة مفصلية تتسارع فيها الأحداث وتتشابك فيها المصالح، الأمر الذي يفرض على الإعلام الجنوبي مسؤولية مضاعفة تتجاوز حدود الاصطفاف السياسي الضيق نحو بناء خطاب وطني جامع قادر على مرافقة التحولات القادمة.

 

خلال السنوات الماضية لعب الإعلام الجنوبي دوراً مهماً في إيصال صوت القضية الجنوبية إلى الداخل والخارج، وساهم في تثبيت حضورها في الوعي السياسي والإعلامي. غير أن هذا الدور لم يخلُ من إشكاليات واضحة، أبرزها انزلاق بعض المنصات الإعلامية إلى دائرة الاستقطاب الحاد بين القوى السياسية الجنوبية، الأمر الذي أدى في كثير من الأحيان إلى تشتيت الخطاب العام وإضعاف حالة التماسك المطلوبة في هذه المرحلة الدقيقة. فبدلاً من أن يكون الإعلام مساحة للتقريب بين الرؤى وتوضيح نقاط الالتقاء، تحول في بعض الحالات إلى ساحة لتصفية الخلافات السياسية أو لتغليب الانتماءات الضيقة على المصلحة الوطنية الأوسع.

 

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه الإعلام الجنوبي اليوم لا يكمن فقط في الدفاع عن القضية الجنوبية، بل في إعادة صياغة فلسفته المهنية والفكرية بما يتواكب مع التحولات السياسية المتسارعة. فالساحة الجنوبية تحتاج إلى إعلام يقرأ المستقبل بقدر ما يواكب الحاضر، إعلام يمتلك رؤية استراتيجية قادرة على بناء خطاب عقلاني يفتح المجال للحوار بين مختلف المكونات السياسية والاجتماعية، بدلاً من تكريس الانقسام بينها.

 

إن المؤشرات السياسية ومسار الأحداث في المنطقة يوحيان بأن الجنوب مقبل على مرحلة جديدة قد تحمل ملامح تشكل الدولة الجنوبية القادمة. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية يصبح الإعلام شريكاً في عملية التأسيس، ليس فقط عبر نقل الوقائع، بل عبر المساهمة في بناء الثقافة السياسية التي تقوم عليها الدولة المرتقبة. فالدولة لا تُبنى بالجغرافيا فقط، بل تُبنى أيضاً بالوعي الجمعي وبالقيم السياسية التي يرسخها الخطاب الإعلامي في المجتمع.

 

ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعلام جنوبي يتقدم بخطواته على الفعل السياسي، لا أن يظل تابعاً له. الإعلام الحقيقي هو الذي يفتح النقاشات الكبرى، ويضع الأسئلة الجوهرية أمام المجتمع والقوى السياسية، ويصوغ الرؤى التي تساعد على بلورة مشروع وطني متماسك. أما حين يتحول الإعلام إلى مجرد صدى للصراعات السياسية اليومية، فإنه يفقد قدرته على التأثير ويصبح جزءاً من الأزمة بدلاً من أن يكون جزءاً من الحل.

 

إن ما تحتاجه الساحة الجنوبية اليوم هو خطاب إعلامي يركز على المشتركات الوطنية، ويعمل على بناء مساحات التفاهم بين القوى السياسية المختلفة حول أسس الدولة القادمة، من حيث شكلها السياسي ومؤسساتها وقيمها الدستورية. فالتعدد السياسي ظاهرة صحية في أي مجتمع يسعى لبناء دولة حديثة، لكن إدارة هذا التعدد تحتاج إلى إعلام مسؤول يرسخ ثقافة الحوار ويحد من لغة التخوين والإقصاء.

 

وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى نماذج إعلامية استطاعت أن تحافظ على قدر معقول من المهنية ووضوح الرؤية، مثل صحيفة صحيفة الأيام التي قدمت نموذجاً لوسيلة إعلامية تحاول الجمع بين الوضوح في الموقف والالتزام بالمعايير المهنية. إن مثل هذه التجارب تؤكد أن الإعلام القادر على البقاء والتأثير هو الإعلام الذي يوازن بين الانحياز للقضية والالتزام بأخلاقيات المهنة.

 

إن المرحلة القادمة تتطلب من الإعلام الجنوبي أن ينتقل من مرحلة التعبئة إلى مرحلة بناء الوعي السياسي، ومن خطاب اللحظة إلى خطاب المشروع الوطني. فالإعلام الذي ينجح في هذه المهمة سيكون شريكاً حقيقياً في صناعة المستقبل، أما الإعلام الذي يبقى أسير الخلافات الآنية فسيجد نفسه خارج سياق التحولات الكبرى التي تتشكل في المنطقة.

 

إن إعادة صياغة الإعلام الجنوبي ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة تاريخية تفرضها طبيعة المرحلة. فحين ينجح الإعلام في بناء خطاب جامع، فإنه يسهم في تقوية الجبهة الداخلية وتهيئة المجتمع لأي استحقاقات سياسية قادمة. وفي المقابل، فإن استمرار حالة التشتت الإعلامي لن يؤدي إلا إلى إضعاف الموقف الجنوبي وإرباك مسار التحولات المنتظرة. ولذلك فإن المسؤولية اليوم تقع على عاتق الإعلاميين والمثقفين قبل السياسيين، لأن الإعلام حين يمتلك الرؤية يصبح قادراً على إرشاد السياسة لا مجرد مرافقتها

 

رئيس تجمع إتحاد الجنوب العربي South Arabian Federation Gathering