صوت الملايين… ومعادلة الصمت الغريب

2026-03-13 21:37

 

يخرج شعب الجنوب في مليونيات متكررة، وفي مدن متعددة، رافعاً صوته عالياً للمطالبة بحقه في استعادة دولته ورفع الظلم الذي يثقل كاهله منذ سنوات طويلة. هذه الحشود البشرية الكبيرة ليست حدثاً عابراً، وليست مجرد مظاهرة عابرة في الشارع، بل تعبير صادق عن إرادة شعب كامل يشعر بالظلم والتهميش والإقصاء، ويعاني من فساد مستشرٍ ونهب للثروات وحرمان من أبسط مقومات الحياة.

لقد خرج أبناء الجنوب في أكثر من مناسبة، وفي ساحات مختلفة، حاملين مطالب واضحة وصريحة: إنهاء الفساد، وقف نهب الثروات، رفع الظلم، وتمكين الشعب من تقرير مصيره. ومع ذلك، فإن هذه الأصوات المدوية التي تملأ الساحات لا تجد آذاناً صاغية لدى من بيدهم القرار.

في دول العالم التي تحترم شعوبها وتحترم إرادة مواطنيها، قد يكفي خروج آلاف قليلة من المتظاهرين للاحتجاج على فساد أو خطأ سياسي حتى تهتز الحكومات وتُفتح التحقيقات، وقد تصل الأمور إلى استقالة الحكومة أو حتى تنحي الرئيس نفسه احتراماً لإرادة الشعب. هكذا تعمل الأنظمة التي تؤمن بأن الشعب هو مصدر السلطة.

أما في حالتنا، فالأمر يبدو مختلفاً تماماً، بل ومثيراً للدهشة. فبدلاً من أن تُقابل هذه الحشود المليونية بالاستماع لمطالبها والبحث عن حلول عادلة لمظالمها، نجد أن الأمور تسير في الاتجاه المعاكس تماماً.

الأدهى والأمر أن الشعب نفسه يُعاقَب بشكل جماعي.

تُقطع الرواتب، وتُحجب الخدمات، وتتفاقم معاناة الناس في الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وتزداد الضغوط الاقتصادية يوماً بعد يوم. بل إن الأمر يصل أحياناً إلى الاعتقالات والتعسفات وسفك الدماء، وكأن المطالبة بالحقوق أصبحت جريمة تستوجب العقاب.

وهنا يبرز سؤال مشروع لا يمكن تجاهله:

ما هذه المعادلة الغريبة التي تجعل صوت الملايين بلا أثر؟ وكيف يمكن تجاهل إرادة شعب كامل يعبّر عن مطالبه بصورة سلمية وواضحة؟

ثم أين أصوات منظمات حقوق الإنسان التي ترفع شعارات الدفاع عن الشعوب وحقوقها؟ وأين مواقف الدول التي تتحدث باستمرار عن الديمقراطية وحرية التعبير وحق الشعوب في تقرير مصيرها؟ لماذا يبدو هذا الصمت ثقيلاً عندما يتعلق الأمر بمعاناة شعب الجنوب؟

إن ما يحدث اليوم يضع الجميع أمام مسؤولية أخلاقية وسياسية وتاريخية. فإرادة الشعوب لا يمكن تجاهلها إلى الأبد، وصوت الجماهير مهما حاول البعض تجاهله سيظل حاضراً، وسيظل يذكّر العالم بأن هناك قضية عادلة تبحث عن إنصاف.

لقد أثبت شعب الجنوب، في كل مناسبة، أنه شعب حي يمتلك إرادة واضحة، وأنه قادر على التعبير عن مطالبه بطريقة سلمية وحضارية. وهذه الإرادة، مهما طال الزمن، ستظل عاملاً حاسماً في رسم مستقبل هذه الأرض.

ويبقى السؤال الذي يطرحه كل جنوبي اليوم:

إلى متى سيظل صوت الملايين يُقابل بالصمت؟

 

 

عدن

13 مارس 2026