دورات الغدر وجمر الجنوب العربي

2026-03-31 21:15

 

من يزرع الغدر في الظلام، لن يحصد إلا ارتداد مكره عليه في النور. هذه ليست نبوءة شاعر، بل قانون صارم كتبه التاريخ بدم الشعوب التي آثرت بعض قياداتها ممارسة العبث السياسي على البناء، والمؤامرة على الميثاق.

 

دورات الحروب عبر التاريخ علمتنا قانون صراع الأضداد و أن: "لا هزيمة تُفني خصمًا، ولا نصر يضمن بقاء حليف." وهذه الحقيقة المُرّة ليست دعوة إلى اليأس، بل هي دعوة إلى شيء أصعب وأنبل: أن تبني قوتك على وعي لا يُشترى، ووحدة لا تتشقق عند أول ابتلاء، وصمود لا يكون استجابة لضغط، بل تعبيرًا عن إرادة حرة لا تقبل المساومة أو تركها للآخرين يعبثوا بها في سوق المصالح.

 

شعب الجنوب العربي يعرف هذا القانون جيدًا، لا من الكُتب، بل من جِراح متراكمة منذ أن بيعت وحدته وهمًا، وأُعيد رسم مصيره بأقلام لم تسأله يومًا عن إرادته. جاءت عليه موجات الغدر متتالية: وحدة كانت إلحاقًا في ثوب الشراكة، وحرب 1994 كانت رسالة مكتوبة بالنار مفادها أن صوته لا يُعتد به، ثم تحالفات أتت باسم الشرعية لتعيد إنتاج المنظومة نفسها التي أنهكته.

 

والأمرّ من الغدر ذاته أن من يتآمر ليلًا على إخوته سيجد نفسه غدًا في مواجهة أبناء عمه، لأن الخيانة لا تتوقف عند ضحيتها الأولى، بل تتحول إلى ثقافة تأكل أصحابها. وهكذا يسعى الأعداء إلى تحويل القضية من قضية شعب إلى ملف تتجاذبه أطراف، ومن حرية تُنشد إلى مصالح تُتفاوض عليها خلف الأبواب.

 

لكن ثمة ما هو أشد خطرًا من عدو خارجي، وهو النيل من وحدته أو تفتيت أهدافه، وأن يُستبدل الوعي السياسي بالمناطقية المزروعة عمدًا، وأن يُحوَّل الصمود المعهود لدى هذا الشعب ذلك الصمود الذي طالما ميّز أبناء الجنوب إلى إنهاك ممنهج يجعل الإنسان باحثًا عن لقمة لا عن كرامة.

 

غير أن الشعوب لا تموت حين تخسر معركة، بل حين تنسى لماذا كانت تقاتل. وما دام في الجنوب من يحمل الرواية، ويصوغ السؤال، ويرفض أن تُصادر إرادته، فإن الجمر لم يمت.