حين تختطف اللغة تختطف الشرعية

2026-01-02 18:35

 

عضو الفريق القانوني لهيئة رئاسة الأمانة العامة للمجلس الإنتقالي الجنوبي .

لم تعد التطورات الجارية في حضرموت مجرد تحركات عسكرية عابرة قابلة للتوصيف الإعلامي بل باتت تمثل منعطفًا خطيرًا في تعريف الشرعية وحدود استخدام القوة ومعايير الشراكة واختبارًا صريحًا لاحترام حق أبناء الجنوب في أرضهم وأمنهم وقرارهم السياسي إن أخطر ما يرافق هذه المرحلة ليس السلاح وحده بل اختطاف اللغة وتحويل المصطلحات من أدوات توصيف إلى وسائل تضليل ومن مفاهيم قانونية إلى أغطية لغزو مرفوض فحين يُستبدل الوصف القانوني بالفعل القسري بمفردات ناعمة يُسقط ذلك جوهر الشرعية ويجردها من معناها الحقيقي .

إن تسمية ما يجري عملية عسكرية سلمية لا تمثل خطأ لغويًا أو اجتهادًا سياسيًا بل تزويرًا فجًا للواقع وانتهاكًا صريحًا للمنطق القانوني والأخلاقي إذ لا وجود في القاموس الإنساني ولا في القانون الدولي لما يسمى عنفًا سلميًا فالسلم لا يُفرض بالقوة ولا يأتي بالدبابات ولا يُسوّق عبر غرف الدعاية وحين يُستخدم اسم السلم لتبرير القصف والاقتحام نكون أمام انحدار أخلاقي كامل لا أمام سياسة مسؤولة وأمام سقوط فعلي لمفهوم الشرعية كما أن الإصرار على توصيف القوات المتجهة إلى حضرموت بمسميات رسمية لا يغير من حقيقتها شيئًا فالقانون لا يعترف بالأسماء ولا باللافتات بل بطبيعة التشكيل ومصدر القرار وسلسلة القيادة والسجل السابق والوقائع الثابتة تشير إلى أن هذه القوات ليست نابعة من نسيج أمني محلي ولا خاضعة لتوافق مجتمعي بل جرى سحبها من مسرح فشل سابق وإعادة تدويرها في حضرموت وهو سلوك يُصنف قانونيًا ضمن تدوير وحدات فاشلة لأغراض سياسية لا ضمن تعزيز الأمن أو بسط الاستقرار و تتحمل كل سلطة محلية كانت أو رئاسية أو داعمة مسؤولية قانونية كاملة إذا ما دفعت بقوات ذات تركيبة أيديولوجية متطرفة أو دمجت عناصر غير نظامية أو مشبوهة في تشكيلات رسمية أو وفرت غطاءً سياسيًا لتحركات مسلحة خارج التوافق الوطني ووفق قواعد القانون الدولي الإنساني فإن التحايل بالمسميات لا يعفي من المسؤولية بل يضاعفها لأن النية تصبح هنا نية تضليل متعمد ترتقي إلى مستوى الفعل غير المشروع و حضرموت ليست فراغًا أمنيًا ولا أرضًا بلا أصحاب بل محافظة محررة من الإرهاب مستقرة بقواتها ونخبتها ومحكومة بتوازن اجتماعي وأمني دقيق ووفقًا لكل الشرائع فإن الدفاع عن الأرض حق أصيل ورفض دخول قوات دخيلة حق مشروع وحماية السلم الأهلي واجب لا يقبل المساومة ولا يمكن قانونًا ولا أخلاقيًا مطالبة أبناء الجنوب بتسليم أمنهم لقوى ثبت فشلها أو عجزها في ساحات أخرى .

إن العتب الموجه للحليف ليس عاطفيًا ولا عدائيًا بل عتب سياسي وقانوني مسؤول فالجنوب أوفى بالتزاماته واحترم تحالفاته وكان شريكًا حقيقيًا في مواجهة الحوثي والتنظيمات الإرهابية ومن غير المقبول توجيه السلاح نحو الجنوب أو استخدامه كساحة بديلة لتصفية إخفاقات الشمال أو إشغاله بصراعات جانبية تخدم الحوثي وتخفف الضغط عنه إن أي دعم لتحركات تهدد استقرار الجنوب أو تعيد تدوير الفوضى يمثل نقضًا صريحًا لمنطق التحالف لا خدمته والجنوب رغم الجراح لم يغادر مسار السلام لكنه يرفض سلام الإكراه فالسلام الحقيقي لا يُبنى على إنكار الحقوق ولا يُفرض بقوة السلاح ولا يُدار عبر وكلاء ومليشيات وحق تقرير المصير حق ثابت في ميثاق الأمم المتحدة لا يسقط بالتقادم ولا يُلغى بالضغط ولا يُصادر بإعادة تعريف الشرعية بالقوة

إن أخطر ما تواجهه المنطقة اليوم هو شرعنة الفوضى باسم الدولة وتبييض الغزو باسم السلم وتحميل الضحية مسؤولية الدفاع عن نفسها حضرموت لن تكون ساحة عبث والجنوب لن يكون خاصرة رخوة ومن أراد السلام الحقيقي فطريقه واضح احترام الأرض واحترام الإرادة واحترام الشركاء وما دون ذلك ليس سياسة بل مقامرة خطرة بمستقبل المنطقة و شرعيتها .

*عضو الفريق القانوني لهيئة رئاسة الأمانة العامة للمجلس الانتقالي الجنوبي