تكشف الأزمات، على الدوام، المواقف الحقيقية للرجال والتيارات السياسية. ففي أوقات الرخاء، حيث تتكاثر المكاسب وتُفتح أبواب المغانم، تمتلئ الساحة بالوجوه الطامحة وتعلو أصوات الانتهازية، غير أنّ هذه الأصوات ذاتها سرعان ما تتوارى عند أول اختبار حقيقي، باحثة عن مخارج جانبية تقيها كلفة الموقف ومسؤولية الالتزام.
لقد شكّل إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي تحوّلًا نوعيًّا في مسار قضية شعب الجنوب، ليس فقط من حيث الشكل التنظيمي، بل من حيث جوهر المعادلة السياسية. فقد نجح في جمع طيف واسع من القوى والتيارات الجنوبية المتباينة " جبهة وطنية"، والتي كان بينها في مراحل سابقة خلافات أو حتى صراعات، ضمن إطار وطني جامع.
ورغم ما شاب التجربة من أخطاء قيادية وتنظيمية كان بالإمكان تفاديها، إلا أنّ المجلس استطاع أن يفرض توازنًا سياسيًّا وعسكريًّا، ويؤمّن مظلة حمت القضية الجنوبية من محاولات التذويب أو الالتفاف أو إعادة إنتاج الوصاية عليها.
لم نمارس الصمت تجاه الإخفاقات، ولم نختزل المسؤولية في الولاء الأعمى. بل قدمنا نقدا قويا ونحن خارج المجلس إلى قيادات المجلس عبر الأطر المؤسسية، ومارسنا النقد البنّاء وطالبنا بإجراء المراجعات المطلوبة، بعيدًا عن المزايدات الإعلامية في الإعلام أو الاستثمار الشخصي الرخيص. فالغاية لم تكن النيل من أشخاص بعينهم، وإنما تصويب المسار والحفاظ على تماسك المجلس بوصفه الإطار الوطني الجامع لإرادة شعب الجنوب.
اليوم، يواجه المجلس الانتقالي الجنوبي وقيادته حملة منظمة وشديدة، لا تستهدف الأشخاص بقدر ما تستهدف جوهر القضية الجنوبية نفسها. تقف خلف هذه الحملات خطابات تعبئة حاقدة تسعى لإعادة إنتاج مشروع اليمننة والإقصاء السياسي، متسترة بشعارات جوفاء، ومحاولة خلق كيانات هامشية تفتقر لأي ثقل ديموغرافي أو حضور فعلي في الشارع الجنوبي.
ومع ذلك، يبرهن شعب الجنوب، في كل محطة مفصلية، أنّه عصيّ على الكسر، راسخ في تمسكه بحقه المشروع في استعادة دولته، ورافض لأي مسارات تعيد عجلة التاريخ إلى الوراء.
أن شعبنا يدرك أن كلفة التفريط أكبر من كلفة المواجهة، ولذلك هو مستعد للدفاع عن تطلعاته الوطنية، مهما بلغت التحديات، حتى وإن استدعى ذلك إعادة رسم معادلات المنطقة برمّتها.