بعد حرب 1994 التي انتهت باجتياح قوات اليمن لأراضي الجنوب العربي، دخلت البلاد في مرحلة جديدة من الاحتلال المباشر تحت غطاء ما سُمّي بـ«الوحدة اليمنية». لم تكن النتيجة توحيدًا لشعبين، بل كانت هيمنة صارخة لمركز نفوذ يمني على مقدرات شعب الجنوب، وإلغاءً تامًا لصوته السياسي، إلى جانب التشكيك في هويته عبر حملات تشهير ادّعت أن شعب الجنوب ليس سوى جاليات هندية وصومالية. كما جرى إنكار تاريخه المتجذر في الجنوب منذ عهد قوم عاد ونبي الله هود، في تجاهل فج لحضارته التي تشهد عليها الأرض والإنسان. ولم تكن تلك الحرب نهاية صراع، بل كانت البداية الحقيقية لمشروع استعماري جديد مارسته سلطة صنعاء بحق الجنوب العربي أرضًا وإنسانًا.
الإقصاء السياسي وتفكيك بنية الدولة الجنوبية
فور إعلان انتهاء الحرب، بدأت سلطة صنعاء بتفكيك المؤسسات الإدارية والعسكرية والأمنية للجنوب. جرى تسريح آلاف العسكريين الجنوبيين من مختلف الرتب، كما تم نقل الموظفين من مؤسساتهم واستبدالهم بموظفين من اليمن، في عملية استئصال ممنهجة لهوية الجنوب العربي داخل مؤسسات ما يسمى «الجمهورية اليمنية». تم إلغاء الهياكل المؤسسية للجنوب، وأُقصي القادة الجنوبيون من المشهد السياسي، وتعرضوا للمحاكمات أو النفي. غابت أي شراكة حقيقية في السلطة، وأصبح الجنوب تابعًا لحكم عصابي يحتكم إلى أعراف بدائية في إدارة الصراع، متسلطًا على اليمن والجنوب معًا من خلال مركز القرار في صنعاء.
أصبح الجنوب بعد 1994 مجرد تابع إداري بلا تمثيل فعلي في مراكز القرار، واستخدمت فكرة «الوحدة» كذريعة لوأد أي صوت جنوبي يطالب بالكرامة أو المساواة أو الشراكة.
نهب الموارد واحتكار الثروة
تجلت الهيمنة بأوضح صورها في الملف الاقتصادي، حيث تحول الجنوب إلى مخزن للثروات تُستخرج لصالح خزائن اليمن. أصبحت حقول النفط والغاز في شبوة وحضرموت تحت إدارة سلطات صنعاء، وحُرمت المحافظات المنتجة من أي نسبة عادلة من العائدات. جرى تهميش ميناء عدن، الذي كان أحد أنشط الموانئ في العالم ويحتل المرتبة الثالثة عالميًا، وتم إضعافه لصالح ميناء الحديدة الخاضع لسيطرة قوى يمنية نافذة. كما حُولت عائدات الضرائب والجمارك إلى صنعاء، في وقت كانت فيه مدن الجنوب تعاني من تدهور الخدمات الأساسية والبنية التحتية.
أصبح الاقتصاد الجنوبي مكبلًا بيد عصابة فاسدة مهيمنة، تمارس الاستحواذ والابتزاز والتفقير، بينما ظل المواطن الجنوبي يرزح تحت وطأة الإقصاء الاقتصادي.
تدمير متعمد للهوية والتنمية
لم تكتفِ السلطة اليمنية بالهيمنة السياسية والاقتصادية، بل سعت إلى تدمير الهوية الجنوبية عبر فرض مناهج تعليمية تمجد «الوحدة» وتشيطن تاريخ الجنوب العربي، وطمس الرموز الوطنية الجنوبية وتغيير أسماء الشوارع والمعالم، إلى جانب إهمال متعمد لمشاريع التنمية في الجنوب مقابل إنفاق متزايد على مناطق النفوذ في اليمن.
لم يكن هذا التدمير عشوائيًا، بل جاء ضمن مشروع طويل المدى لتذويب الشخصية الجنوبية واستبدالها بهوية مفروضة تتوافق مع مركزية الحكم في صنعاء.
الجنوب كغنيمة حرب
في العقلية التي حكمت اليمن بعد 1994، لم يكن الجنوب شريكًا في دولة، بل غنيمة حرب. جرى توزيع أراضيه وثرواته بين مشايخ وقادة عسكريين يمنيين، فبيعت أو نُهبت أراضٍ واسعة في عدن وأبين وحضرموت بأوامر من رموز الحكم. وتحولت عدن، التي كانت يومًا عاصمة حضارية واقتصادية، إلى مدينة مهمشة تعاني من الإهمال التنموي والعبث الأمني.
هذا الواقع لم يقبل به الجنوبيون طويلًا، فبدأت المقاومة السياسية والشعبية مبكرًا عبر احتجاجات سلمية ومسيرات واسعة، تطورت لاحقًا إلى حراك جنوبي منظم، ثم إلى مشروع وطني واضح يسعى لاستعادة الدولة الجنوبية كاملة السيادة.
ما بعد 1994 لم يكن وحدة، بل احتلالًا متلحفًا باسم «الجمهورية اليمنية». والعدالة تقتضي اليوم إعادة الحق لأهله، ومنح الجنوب فرصته في تقرير مصيره على أسس العدالة والكرامة واستعادة الهوية.