تراجع بريطانيا وفرنسا: مؤامرة أمريكية أم ديناميكية قوى؟

2026-04-16 16:26

 

​يعلم كثيرون في باريس ولندن، أن شيئًا ما تغيّر بشكل لا رجعة فيه. لكن السؤال الذي يُلحّ على المحللين والمؤرخين على حدٍّ سواء: هل هذا التراجع قدر حتمي، أم أن يدًا أمريكية خفية تدفع نحوه.

 

لفهم المشهد الراهن، لا بد من العودة إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية. خرجت الولايات المتحدة من تلك الحرب وهي في أوج قوتها: اقتصادها يتفوق على العالم، جيشها يحمل السلاح الذري الوحيد، ودولارها يصبح عملة كل الأمم. في المقابل، كانت فرنسا وبريطانيا تلعقان جراحهما، منهكتَين ماليًّا وعسكريًّا بعد سنوات من الدمار.

 

وقتها، لم تعترض واشنطن على موجة الاستقلالات التي اجتاحت مستعمرات القوتين. لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا من مجرد دعم أمريكي للحرية وهي أن واشنطن كانت تحارب النفوذ السوفيتي، وكانت صورة المحرر من الاستعمار تخدم مصالحها في الحرب الباردة خير خدمة.

 

لم تستسلم باريس ولندن بسهولة. احتفظتا بخيوط النفوذ عبر الفرنك الأفريقي، وشبكة الكومنولث، وعلاقات حميمة مع النخب المحلية التي تربّت على مقاعد جامعاتهما. غير أن أمريكا كانت تقضم هذا النفوذ بهدوء، هوليوود تغزو شاشات العالم، صندوق النقد الدولي يمد يده بالقروض، والشركات الأمريكية تنتشر بسلاسة.

 

جاءت الضربة الفاصلة عام 1956، حين أجبرت واشنطن بريطانيا وفرنسا على الانسحاب المهين من مصر إبان أزمة السويس بعد العدوان الثلاثي مع إسرائيل على مصر. كان الرسالة واضحة وهي أن عصر الإمبراطوريات الأوروبية قد ولّى، وأمريكا هي الحارسة الجديدة للشرق الأوسط.

 

اليوم، يبدو المشهد أكثر قسوة مما توقعه أحد. في أفريقيا، أسدل الستار على ما كان يُعرف بأفريقيا الفرنسية، تلك المنظومة المعقدة من القواعد العسكرية والنفوذ الاقتصادي والعلاقات السياسية التي بنتها فرنسا على مدى عقود.

 

بحلول عام 2025، سلّمت فرنسا آخر قواعدها في السنغال، بعد خروج مؤلم من مالي وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد وساحل العاج. لم يتبقَّ لها سوى وجود شبه رمزي في الجابون وجيبوتي، بضعة آلاف من الجنود لا يكفون لشيء يُذكر. أما بريطانيا، التي كان حضورها العسكري أضعف أصلاً، فقد آثرت التحول نحو الاستثمار التجاري بدلًا من القواعد العسكرية.

 

في الشرق الأوسط، ومع التوترات المتصاعدة في الأعوام الأخيرة، اقتصر دور الدولتين على حماية الملاحة في المضايق البحرية شكليًا وإصدار البيانات التي تدعو للتهدئة عند اندلاع الصراعات والمفارقة أن ترامب وصفهما علنًا بغير المتعاونتَين، حين رفضتا فتح قواعدهما أمام الضربات الهجومية الأمريكية على ايران وهو موقف يكشف أن العلاقة بين الحلفاء صارت أكثر توترًا مما يُظهره الخطاب الرسمي.

 

هنا يقف المتابع أمام السؤال الجوهري: هل ثمة مخطط أمريكي لإضعاف أوروبا القديمة؟

الإجابة الصادقة: لا ونعم، لأن الأمر بهذه البساطة.

 

أولًا: لو نظرت باريس ولندن في المرآة لرأتا أجزاءً من المشكلة فيهما. الميزانية الدفاعية الفرنسية لعام 2026، رغم ارتفاعها، لا تتجاوز 67 مليار دولار في مقابل 831 مليار أمريكيًّا. بريطانيا تتعثر تحت وطأة تداعيات خروجات من أوروبا (البريكست)، وكلتاهما تئنان من ديون متراكمة ونمو اقتصادي يكاد يكون راكدًا. في هذا السياق، الحضور العسكري خارج الحدود يصبح رفاهية لا تتحملها الميزانيات.

 

ثانيًّا: انقلابات منطقة الساحل بين عامَي 2020 و2023 لم تكن تحريكًا أمريكيًّا من وراء الستار، بل كانت تعبيرًا عن غضب شعبي حقيقي ومتراكم. فرنسا مكثت عقودًا تقاتل الإرهاب في المنطقة و تستغل الثروات في تلك البلدان دون أن تحقق استقرارًا أمنيًا أو اقتصاديًا يُذكر، فيما اتُّهمت بحماية أنظمة فاسدة على حساب الناس العاديين. حين طالبت الحكومات الجديدة بالرحيل، لم تحتج إلى إيعاز من أحد. الفراغ الذي تركته فرنسا ملأه الروس أمنيًا والصينيون والخليجيون بالاستثمارات وكل هذا يصبّ في المصلحة الأمريكية دون أن تكون أمريكا قد دبّرته.

 

ثالثًا: وثيقة الدفاع الوطني الأمريكية لعام 2026 صريحة: أوروبا تتحمل دفاعها أمام روسيا، والشرق الأوسط يعتمد على إسرائيل ودول الخليج. ترامب يطالب الحلفاء بإنفاق 5 % من ناتجهم المحلي على الدفاع، ويلوّح بالانسحاب من الناتو. هذا ليس تآمرًا لتدمير أوروبا، بل تحولًا استراتيجيًّا نحو التفرغ لمواجهة الصين أمريكا ذاتها تتراجع من بعض المواقع حين يخدم ذلك حساباتها.

 

لذلك، ما يشهده العالم اليوم ليس كله مؤامرة، بل نتيجة طبيعية لتحول موازين القوى في عالم لم يعد يسير بقطبين أو ثلاثة. فرنسا تحاول التكيف: تحولت من القواعد الدائمة إلى برامج التدريب المشترك في كينيا ووسط أفريقيا. بريطانيا تبني شراكات اقتصادية. لكن الزمن الذي كانت فيه القوى الاستعمارية تملي شروطها على شعوب أخرى قد ولّى دون رجعة والدول الأفريقية والعربية باتت فاعلة حقيقية لا مجرد رقعة شطرنج.

 

السؤال الذي يبقى معلقًا هو: هل تستطيع باريس ولندن أن تحوّلا هذا التراجع أولى تكيّف استراتيجي ذكي، أم أنهما ستواصلان الاكتفاء بالبيانات والاجتماعات فيما يمضي العالم قُدُمًا؟ الإجابة ستحدد ما إذا كانت هذه مجرد نهاية فصل، أم الصفحة الأخيرة في تاريخ الإمبراطوريات الأوروبية الكبرى.