سقوط محافظة الجوف لم يكن حدثًا مفاجئًا، بل كان نتيجة طبيعية لحالة الارتباك والتخبط التي تعيشها مراكز القوى في اليمن. فبينما كانت الجبهات هناك بحاجة إلى تركيز ودعم حقيقي، كانت الأولويات تُدار بمنطق مختلف، بعيدًا عن متطلبات الميدان.
لقد تُركت الجوف لمصيرها، في وقتٍ كان يفترض أن تكون فيه في صدارة الاهتمام العسكري. ضعف الإمداد، غياب التنسيق، وسوء الإدارة، كلها عوامل عجّلت بالسقوط، لكن الأخطر من ذلك هو انشغال بعض القوى المتنفذة في اليمن بتوجيه اهتمامها نحو الجنوب، ليس كقضية عادلة، بل كهدف للسيطرة على الأرض والثروات، واستمرار نهج التهميش والإقصاء.
هذا التوجه لم يضر بالجنوب فحسب، بل انعكس سلبًا حتى على جبهات اليمن نفسه، حيث أدى إلى تشتيت الجهود وإضعاف القدرة على المواجهة. فبدلًا من حماية مناطقهم وتعزيز مواقعهم، انخرطت تلك القوى في حسابات أخرى، كانت نتيجتها خسارة مواقع استراتيجية، وعلى رأسها الجوف.
إن ما حدث يوضح بجلاء أن معارك اليمن تُدار وفق حسابات ضيقة، لا علاقة لها بمصالح الشعوب، بل بمصالح قوى تسعى للهيمنة أينما استطاعت. وفي ظل هذا الواقع، يصبح من الطبيعي أن تتكرر مثل هذه السقوطات، طالما أن الأولويات مختلة، والقرارات لا تُبنى على أسس وطنية حقيقية.
إن الجنوب، الذي عانى طويلًا من هذه السياسات، لم يعد معنيًا بدفع ثمن أخطاء لا تخصه، ولا يمكن أن يكون ساحة مفتوحة لمشاريع الهيمنة. فلكل أرض قضيتها، ولكل شعب حقه في تقرير مصيره بعيدًا عن محاولات السيطرة أو الإخضاع.
ختامًا، فإن سقوط الجوف هو درس واضح بأن من يشتت جهده ويفقد بوصلته، يخسر معاركه، مهما امتلك من قوة. وهي رسالة تؤكد أن إدارة الصراعات بعقلية الهيمنة لا تؤدي إلا إلى مزيد من الانهيار.
عدن 23 أبريل 2026