يحتل الجنوب العربي في الوقت الراهن وضعًا فريدًا من نوعه، حيث يتقاطع فيه البحث عن الهوية الدينية مع السعي الحثيث لاستعادة الدولة. وفي ظل هذا المشهد المعقد، يطرح سؤال مهم ومحوري: هل نحن اليوم في الجنوب بحاجة إلى مزيد من المؤسسات والمراكز الدينية، أم أن أولويتنا القصوى يجب أن تتركز في استعادة دولتنا وتحقيق استقلالنا؟
يؤمن غالبية الجنوبيون ان لم يكن كلهم بأن الحاجة لاستعادة الدولة وتحقيق الاستقلال هي الاهداف الأهم والأكثر إلحاحًا حاليا فالاحتلال اليمني لا يزال قائمًا، وتأثيراته السلبية واضحة على كل مستويات الحياة في الجنوب، بدءًا من الجانب الديني مرورا بالسياسي، والاقتصادي، وصولًا إلى الاجتماعي. فالدين الحقيقي، كما تعلمنا من نصوصنا المقدسة وسيرة نبينا (صلى الله عليه وسلم)، يقوم على العدل، والإنصاف، ورفض الظلم. وفي هذا السياق، فإن احتلال بلد مسلم لبلد مسلم آخر، ونهب ثرواته، والاستيلاء على خيراته، أمر يتعارض بشكل مباشر مع تعاليم الدين السمحة، التي تؤكد على حرمة دم المسلم وماله وعرضه.
ونحن في الجنوب لا نعاني من نقص في الدين أو من شح في مصادره. فالمجتمع الجنوبي هو مجتمع محافظ بطبيعة تكوينه، والدين الإسلامي هو جزء لا يتجزأ من نسيجه الاجتماعي والثقافي ومصادر تلقي الدين متوفرة بغزارة وتنوع، بدءًا من الأبوين في المنزل، مرورًا بالمساجد التي تُعد منارات للعلم والذكر، وصولًا إلى المدارس والجامعات الرسمية وغير الرسمية التي تدرس علوم الدين واصوله. ولا يمكننا إغفال دور التكنولوجيا الحديثة، مثل الإنترنت، والقنوات التلفزيونية الفضائية التي جعلت من الوصول إلى المحتوى الديني أسهل من أي وقت مضى، وبجودة عالية بالإضافة إلى الكتب والمحاضرات الدينية المنتشرة في كل مكان فكل هذه المصادر كافية لتزويد الفرد المسلم بالمعرفة التي يحتاجها، بحيث تغنيه عن الحاجة إلى مراكز دينية جديدة، خاصة إذا كانت تأتي من بلاد تحتلنا.
فالدعوة لإنشاء مراكز دينية جديدة، في الوقت الذي يُعاني فيه الجنوب من الاحتلال ويسعى لاستعادة دولته، تُعد إلهاءً عن القضية الأساسية. فإذا كان من يريد أن يعلمنا الدين ينتمي إلى البلاد التي تحتلنا وتنهب مواردنا، فإن الأولى به أن يطبق تعاليم الدين على نفسه أولًا، وأن يتوقف عن ظلم إخوانه المسلمين ونهب خيراتهم. فالدين، كما قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، "المعاملة"، وأي معاملة تُبنى على الظلم والاحتلال لا يمكن أن تكون جزءًا من ديننا الحنيف.
إذن، الأولويّة اليوم في الجنوب هي استعادة الدولة، وتأمين الحدود، وتحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية. فهذا هو الجهاد الأكبر في الوقت الراهن، وهو ما يتوافق مع روح الدين الإسلامي الذي يحث على نصرة المظلوم وإقامة العدل.