مؤتمر الحوار الجنوبي في الرياض: حوار بلا أساس ولا شرعية

2026-01-06 08:32

 

يُثار في هذه الأيام الحديث عن مؤتمر حوار جنوبي مزمع عقده في العاصمة السعودية الرياض، يُراد له، كما يُقال، أن يناقش مستقبل الجنوب ضمن إطار سياسي معيّن. ومن وجهة نظري المتواضعة، فإن هذا المؤتمر محكوم عليه بالفشل قبل أن يُعقد، ليس بدافع التشكيك أو الرفض المجرد، بل لغياب الأساس الوطني والسياسي السليم الذي ينبغي أن يُبنى عليه أي حوار جاد ومسؤول.

 

القضية الجنوبية ليست قضية ثانوية ولا خلافًا إداريًا يمكن معالجته بطاولة حوار عابرة، بل هي قضية شعب وهوية ودولة، وجذورها تعود إلى ما بعد حرب 1994 وما ترتب عليها من إقصاء وتهميش وضم وإلحاق. وعليه، فإن أي حوار يُعقد باسم الجنوب دون الرجوع إلى شعب الجنوب نفسه يُعد قفزًا على الحقيقة وتجاوزًا لإرادة الناس.

 

المنطق السياسي السليم يفرض تسلسلًا واضحًا لا يمكن القفز عليه.

أولًا، إجراء استفتاء حر ونزيه لأبناء الجنوب، يُسألون فيه بوضوح: هل هم مع الاستمرار في الوحدة أم مع فك الارتباط واستعادة دولتهم؟

ثانيًا، وبناءً على نتائج هذا الاستفتاء، يتم اختيار وفد جنوبي منتخب ومفوّض شعبيًا يحمل إرادة الناس الحقيقية، ويتجه بعدها إلى أي حوار أو تفاوض داخلي أو خارجي على أساس هذه الإرادة، لا على أساس افتراضات مسبقة.

 

أما أن يُعقد حوار جنوبي في ظل الوحدة اليمنية المفروضة، وبسقف سياسي محدد سلفًا، فذلك يعني أن النتيجة معروفة قبل البداية. فكيف يُطلب من شعب أن يتحاور على خيار لم يختره أصلًا؟ وكيف يمكن لحوار كهذا أن يكون منصفًا أو منتجًا؟

 

الأمر الأكثر خطورة هو طبيعة المشاركين في مثل هذه المؤتمرات، حيث يتم تقديم شخصيات جنوبية في الشكل، لكنها في الجوهر تمثل أحزابًا سياسية معروفة بتوجهاتها ومصالحها، كالإخوان المسلمين أو بقايا نظام عفاش، حتى وإن كانوا جنوبيين من حيث الجغرافيا. وهنا لا بد من القول بوضوح إن من يمثل حزبًا فإن ولاءه سيكون للحزب أولًا، وقراره سيكون منسجمًا مع أجندته، لا مع مصلحة الجنوب وقضيته العادلة. وهذه حقيقة أثبتتها التجارب وليست محل جدل.

 

لذلك فإن نتائج مثل هذا الحوار، إن عُقد، لن تكون لصالح الجنوب، بل لصالح الأحزاب، وستُستخدم لتجميل مشهد سياسي مختل وإعادة تدوير الأزمة لا حلها. فالعقيدة الحزبية حين تتقدم على المصلحة الوطنية تكون النتيجة دائمًا على حساب الأوطان.

 

إن الجنوب اليوم بحاجة إلى مسار واضح وصادق يبدأ من احترام إرادة شعبه والاعتراف بحقه في تقرير مصيره، بعيدًا عن الوصاية وبعيدًا عن الحوارات الشكلية التي لا تنتج إلا مزيدًا من الإحباط وفقدان الثقة.

 

وخلاصة القول إن أي مؤتمر حوار لا ينطلق من استفتاء شعبي جنوبي حر، ولا يستند إلى تفويض حقيقي من الناس، ولا يعبّر عن تطلعاتهم بصدق، سيبقى حوارًا بلا أساس ومصيره الفشل، مهما حسُنت عناوينه أو تغيّرت أماكن انعقاده.

 

عدن – 5 يناير 2026