إحتمالية أن صالح صنع من الزوكا شاهد زور على عدالة حكم دامت 33 عام، ينقلنا من مربع "الصدفة التراجيدية" إلى مربع "الجريمة السياسية المنظمة". فكرة أن يُمنع الزوكا من النجاة عمداً هي قمة التوظيف البشري؛ حيث يتحول الرفيق إلى "رهينة" لمشهد الوداع، لضمان ألا يخرج الديكتاتور من التاريخ كـ "مجرم وحيد"، بل كـ "قائد مخلص".
إليك كيف يخدم "منع الزوكا من النجاة" رواية تلميع الـ 33 عاماً:
1. صناعة "الجنازة المثالية"
الديكتاتور المهووس بصورته مثل صالح، كان يدرك أن التاريخ سيحاكمه على "الخيانة" (خيانة الجمهورية ثم خيانة الحلفاء). وجود جثة الزوكا بجانبه هو "ممحاة تاريخية"؛ فالدائرة الضيقة أرادت للعالم أن يرى "مشهد النهاية" كالتالي: "انظروا، حتى السياسي المحنك والجنوبي الوازن اختار الموت معه، فكيف لا يكون عهده عادلاً؟". منعُه من النجاة كان ضرورة لإتمام هذه اللوحة الزائفة.
2. قتل "الحقيقة" بلسان صاحبها
لو نجا الزوكا، لكان هو الشخص الوحيد القادر على كشف:
كيف كان صالح يدير الولاءات بالمال العام طوال عقود.
كيف ورّط صالح الحزب والبلاد في التحالف مع الحوثيين.
بقاء الزوكا حياً كان سيجعله "شاهد إثبات" على قبح الديكتاتورية، بينما مقتله حوّله إلى "شاهد زور" على عدالة. رجال صالح (الحرس القديم) لا يحبون الشهود الأحياء، يفضلون الشهداء الذين لا يتكلمون.
3. توريط "القبيلة" و"الجغرافيا" في دم صالح
فالزوكا ينتمي لثقل قبلي وجغرافي (شبوة/الجنوب). منعه من النجاة ومقتله مع صالح كان يهدف إلى:
ربط مصير قبائل العوالق بإرث صالح: عبر فكرة "الدم الواحد".
غسل تاريخ صالح في الجنوب: عبر تقديم "قربان جنوبي" مات في قلب صنعاء بجانب الزعيم، للإيحاء بأن حكم الـ 33 عاماً كان حكماً لكل اليمنيين، وليس حكماً عائلياً ضيقاً.
4. سد "ثغرة" الهروب الكبير
في أيام ديسمبر الأخيرة، هرب الجميع. لو نجا الزوكا (وهو الرجل الثاني)، لظهر صالح كـ "رجل معزول" لفظه حتى أقرب مقربيه. منعه من النجاة كان يهدف لإخفاء "عزلة صالح"؛ فكان الزوكا هو "الخرقة" التي سدت ثغرة الفشل المحيط بصالح، ومنحت النظام المتهالك فرصة لادعاء التماسك حتى الرمق الأخير.
النتيجة السياسية لـ "شهيد الإكراه"
عارف الزوكا في هذه القراءة ليس "وفياً"، بل هو "سجين المشهد الأخير". لقد منعه رجال صالح من المغادرة ليكون:
غطاءً أخلاقياً لسنوات الفساد وسرقة 60 مليار دولار من عوائد النفط والغاز.
شاهد زور على "وطنية" وهمية.
لقد صنعوا منه "أيقونة" لكي يمنعوا الناس من التساؤل: كيف استطاع رجل واحد أن يدمر بلداً في 33 عاماً؟ فكانت الإجابة الجاهزة دائماً: "انظروا إلى وفاء الزوكا، لو لم يكن صالح عادلاً لما وفى له الزوكا بالدم".
أن "تصفية الشهود" عبر تحويلهم إلى "شهداء" هي الاستراتيجية الأخيرة التي يلجأ إليها أيتام الأنظمة الديكتاتورية للحفاظ على ما تبقى من سمعة أسيادهم؟
*- جمال الزوكا