يتصاعد اليوم خطاب سياسي متغطرس من بعض القوى اليمنية يطالب بوقاحة بعدم إشراك الجنوبيين في عضوية الحكومة القادمة، بحجة أنهم “انفصاليون”. وهو خطاب لا يعكس سوى عقلية إقصائية مريضة، ترفض الشراكة حينًا، وتتمسك بالوصاية حينًا آخر، وتريد أن تحكم الجنوب من فوق أرضه، وباسم غير أهله، وضد إرادة شعبه.
إن من يرفع هذا الخطاب يتناسى – أو يتجاهل عمدًا – حقيقة دامغة لا يمكن القفز عليها: الجنوب لم يعد ساحة نزاع نظري، بل واقعًا محررًا بإرادة أبنائه. فقد حرر الجنوبيون أرضهم بدمائهم وتضحياتهم
، وبسطوا سيطرتهم الفعلية على ما يقارب 80 إلى 85 في المئة من مساحة الجمهورية، في وقت عجز فيه الآخرون عن تحرير شبر واحد من أراضيهم.
وبناءً على هذا الواقع، فإن الحديث عن حكومة لا تعكس هذه المعادلة ليس حديثًا عن شراكة، بل محاولة مكشوفة لإعادة إنتاج الهيمنة، واستمرار استغلال الجنوب سياسيًا واقتصاديًا، تحت عناوين فقدت معناها ومصداقيتها منذ زمن.
إن تمثيل الجنوبيين في أي حكومة قادمة يجب ألا يقل عن 85 في المئة، لا كمنّة من أحد، ولا كمجاملة سياسية، بل كاستحقاق وطني وسيادي فرضته الأرض، وكرسته التضحيات، وأكدته الإرادة الشعبية. وأي حكومة تتجاهل هذا الحق، هي حكومة بلا شرعية جنوبية، ومحكومة بالفشل قبل أن ترى النور.
لقد انتهى زمن استخدام تهمة “الانفصال” كسلاح سياسي لإقصاء الجنوبيين من القرار، بينما يُطلب منهم في الوقت ذاته القبول بحكم الآخرين. هذه معادلة ساقطة أخلاقيًا وسياسيًا، ولن تمر بعد اليوم.
من لا يريد الجنوبي شريكًا في الحكم، فليذهب ويحكم في أرضه، أما الجنوب فقد قال كلمته، وحسم خياره، ولن يسمح بفرض الوصاية عليه مجددًا.
إن الجنوب اليوم لا يطالب بفتات سلطة، ولا بمقاعد رمزية، بل يطالب بحقه الكامل في القرار، والتمثيل، وإدارة شؤونه، باعتباره الطرف الأقوى حضورًا على الأرض، والأكثر وضوحًا في الموقف، والأصدق تعبيرًا عن تطلعات شعبه.
عدن 29 يناير 2026