لا تجعلوا الاختلاف الجنوبي فخًّا

2026-04-19 05:24

 

جميعنا يرى القمة، لكن كلًا مِنّا، من موقعه، يقدّر الطريق الأنسب للوصول إليها. وليس الاختلاف هنا في حد ذاته أزمة، بل هو في جوهره تعبير عن حيوية أي مجتمع سياسي يسعى إلى التشكل والنضج. والجنوب، كغيره من الكيانات السياسية الحية، لا يمكن أن يكون كتلة صمّاء خالية من تباين الرؤى والتقديرات. فالتعدد في المقاربات، سواء في الأولويات أو أساليب العمل أو طبيعة التحالفات، أمر طبيعي بل وضروري. غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في وجود هذا الاختلاف، وإنما في كيفية إدارته.

 

لقد وقعت بعض القيادات الجنوبية في خطأ استراتيجي بالغ الخطورة، حين نقلت خلافاتها من الإطار الداخلي إلى فضاءات الخصوم خصوصا منها الشرعية اليمنية، متوهمة أن بإمكانها تحقيق مكاسب مرحلية عبر الاستقواء بمن لا يملك في الأصل مصلحة في نجاح المشروع الجنوبي ويحمل العداوة له. هذه الممارسة لا تعكس فقط خللًا في التقدير، بل تفتح الباب واسعًا أمام اختراق سياسي وأمني يهدد بنية المشروع من الداخل.

 

إن تحويل الخلاف إلى مادة للاستهلاك الخارجي، واستعراض التناقضات أمام أطراف تتربص بالقضية، يجرّد الجنوب من أحد أهم عناصر قوته: تماسكه الداخلي النسبي. والأسوأ من ذلك، أن اللجوء إلى الخصوم طلبًا للدعم في نزاعات داخلية يُفقد القضية استقلال قرارها، ويجعلها عرضة للابتزاز السياسي والتوظيف وفق أجندات لا تخدم سوى خصومها.

 

الاختلاف حين يُدار بعقلية المسؤولية الوطنية، يتحول إلى أداة تصويب وتصحيح، ويُسهم في تطوير الأداء السياسي وتعزيز شرعية المشروع. أما حين يُدار بروح الانتقام أو البحث عن غلبة آنية، فإنه ينقلب إلى عامل هدم ذاتي، يبدد الجهود ويُضعف الموقف التفاوضي ويمنح الخصوم أوراقًا لم يكونوا ليحصلوا عليها لولا هذا الانكشاف.

 

إن الحاجة اليوم ليست إلى إلغاء الاختلاف، فهذا أمر غير واقعي، بل إلى تأطيره ضمن قواعد واضحة تحكمه، وتجعل منه عنصر إثراء لا معول هدم. إدارة الخلاف من داخل البيت الجنوبي، عبر قنوات مؤسسية، وبمنطق النقد البنّاء، هي الضمانة الوحيدة لتحويل التنوع إلى قوة.

 

أما ترك الاختلاف ينفلت إلى خارج هذا الإطار، فإنه لا يعني سوى شيء واحد: تحويل نعمة التعدد إلى فخ، يدفع الجنوب ثمنه من وحدته وقضيته ومستقبله السياسي.