رسالة شهيد الى عدن الحبيبة:

2015-07-24 00:18

 

لم تكن الغربة خياري عندما هاجرت مجبراً ذات ليلة سوداء مظلمة وانا اتلمس طريقي في جنح الظلام بسبب الانتفاضات واعمال البطش والانتقام والمسيرات التي كانت تجوب شوارعك الجميلة من ابناء وطني !!

 سرت حافي الاقدام بعد ان تمزق حذائي حتى عبرت الحدود في ظهر شاحنة كبيرة..!!!

 

كنت يافعا لا يقوى على فراقك ..وتنقلت حتى وصلت مكة المكرمة.. وكانت خياري وقبلتي والقيت فيها رحالي وبدأت اشق فيها طريقي .

ورغم رحيل الجسد الغض الصغير وابتعاده عنك فقد بقيت الروح معلقه في عناقيد الفل والياسمين وتتسلل مع غروب شمسك وتذوب في صفائح الكادي ورائحة البخور الذي تتضوع في ازقتك وشوارعك كل مساء!!

 خرجت والخوف يسكن وجداني عندما بدأت الثعابين والعناكب تخرج من اوكارها تلدغ كل جمالياتك وتنشر الموت في ربوعك.. خرجت منك وفارقتك مكرها ، وظننت انني سألتصق بالغربة في المكان الجديد وشربت العلقم بعيدا عنك وسط احلامي المجهضة التي مهما ادعيت انصهاري في بلاد الغربة الا ان الجسد والروح كانا ملكاً لك ولثراك وحدك !!

 

وفي كل مساء تتسلل الذكريات الى شراييني ويطل الحنين اليك من اوردة القلب المكلوم بفراقك وتتسلقين في  ذاكرتي كطفلة تعبث بأوراقي وتسافر في دمي ورغم السنين والفراق عنك الا انني اتلمس شرفاتك واتنفس هواك كل ما اشرقت الشمس او غابت عليك..!!

 

احن الى ملامحك وبناياتك وتضاريس جبل شمسان وصخور العقبة في شارع اروى ومكتبة الجيل الجديد والصهاريج وأمواج البحر التي تتكسر على شواطئك في ساحل أبين وجولد مور ..!! ويرحل الضوء معي ويطل من نوافذ بيوتك الجميلة في خور مكسر ويتسلل الى عيوني وخلايا ذاكرتي ويواسيني في وحدتي !!

 

وتتساقط الدموع على وجهي وتلسعني حرارتها حتى ترتعش اهدابي كلما تذكرتك .!!

لم أدمن مدينة يوما مثل ما أدمنتك  انت، وانا اتنقل في مدن الشرق والغرب وأعبر المطارات وانت تسكنين في وجداني وتحلقين  معي كحمامة بيضاء استحضر معها روائح ازقتك وطعامك المميز ورائحة البخور وكاسات الشاي العدني تتسلل رائحتها الى انفي رغم المسافات التي اختزلها شوقي اليك !!

 

يا عدن يا مدينة الاحلام ستظلين مسقط قلبي وخلايا وجداني والقي وضيائي وعندما تكالب عليك الطغاة والبغاة والغزاة وانحدروا من الكهوف والجبال من شمال الشمال ضاقت بنا الدنيا !!

 

ورحلت اليك تسبقني اشواقي ..  وعدت مع اصدقائي من شباب الوطن تركنا الغربة والاهل والولد وهجرنا الحياة وحملنا السلاح للدفاع عنك قاتلنا من اجلك وسقط الكثير منا على ثراك وطرقاتك منهم من بترت اطرافه ومنهم من رزق الشهادة!!

 

حاول التتار محو معالمك التاريخية بنيران دباباتهم وصواريخهم وصبوا جام غضبهم وحقدهم الدفين على اسواقك وبناياتك وهندستك المعمارية التي تفوح منها روائح الحضارات!!!

 

اراد تجار الموت و القتل والمساومات والاغتصاب احتلالك تشويه جمالك الأخاذ عبر السنين واذلالك وتدميرك قصفوا الحجر والبشر والشجر وارادوا ان يسلبوا منك الحياة ويئدوا احلامك يا سيدة المدن وترنيمة الاحلام وقيثارة العشاق !!!

 

 ولكن هيهات فقد قاومناهم واجهدناهم ومن اجلك رخصت الارواح وسالت الدماء وتعفرت الوجوه بثراك الطاهر واصبت اصابة قاتلة ومعي صديقي ورفيق دربي !!

 

وكان اخر مشهد اراه في حياتي هو جبل شمسان الأشم يقف منتصبا وسكنت روحي لرؤياه وتحجرت عيناي وهما تنظران اليه وأيقنت ان نصرك آت عما قريب.