من أعماق الأعراف القبلية المتوارثة، يبرز مصطلح "الطارف غريم" كواحد من أكثر القواعد ظلماً وجوراً. ومعناه باختصار أن أي فرد تنتمي أصوله لجهة الجاني أو القبيلة التي ينتمي اليها، يصبح هدفاً مشروعاً للثأر أو الانتقام، بغض النظر عن كونه بريئاً أو لا صلة له بالواقعة.
هذا العرف يحوّل المجتمع إلى مجتمع متوحش يقتل الابرياء ويحمي المجرمين ،ويسود الظلم والجور ،وتشرد الأسر وتتفشى الأمراض وتهدم البيوت ، ويُؤخذ البريء بجريرة المذنب.
جذور المشكلة: الإيواء الذي يولد الانفجار:
تبدأ الكارثة عندما يلوذ القاتل بقبيلة أخرى تمنحه "الأمان" وتسهل افلاته من العقاب تحت عرف همجي يسمى الشهامة أو "بياض الوجه". هنا يشعر أولياء الدم بالقهر والظلم، وعندما يكون الجاني الحقيقي "ربيع عند قبيلة اخرى" وفي مأمن وبعيد عن المتناول، يلجأون للقاعدة الظالمة: "الطارف غريم". فيتم استهداف أي شخص من قبيلة الجاني ، مما يؤدي إلى اتساع دائرة الدم لتشمل الجميع حتى تصل أحياناً إلى تلاميذ المدارس ممن لا ناقة لهم في الصراع ولا جمل.
مخالفة الشرع والعقل:
ثقافة "الطارف غريم" هي تحدٍ صارخ للحق الإلهي الذي قرر: "وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى". كما أنها تهدم ركيزة العدالة الحديثة التي تنص على أن "العقوبة شخصية". وفي بعض الحالات تتحول القبيلة التي آوت القاتل إلى خصم (غريم) وهذا نتيجة حتمية لتعطيل القانون ،فلو تم تسليم الجاني للعدالة ، لما اضطر الناس للبحث عن "غريم" بديل.
كيف نقضي على هذه الأعراف الخاطئة؟: (خارطة طريق للحل)
للقضاء على هذه الممارسات، لا يكفي الوعظ والكتابة فحسب، بل يحتاج الأمر إلى خطوات عملية يشارك فيها الجميع:
1. تجريم "الإيواء" مجتمعياً وقانونياً:
يجب تفعيل قوانين الدولة التي تعاقب على التستر على المجرمين او مساعدتهم للهروب . ويجب على مشايخ القبائل ومراجعها توقيع "وثيقة شرف" تسن عرف جديد يرفع الغطاء الإجتماعي عمن يأوي قاتلاً عمداً، ويجعل من يسلم الجاني للعدالة هو صاحب "الوجه الأبيض" الحقيقي.
2. إلغاء عرف التهجير القسري:
في بعض الحالات يفرض على أولياء القاتل النزوح القسري وترك كل مايملكون وتشريدهم لدى القبائل الأخرى، وهذا ظلم كبير لأبرياء.
يجب حصر العقوبة في شخص القاتل فقط لضمان عدم توسع دائرة الصراع، وهذا لن يأتي إلا بتكاتف الجهود والتعاون بين القبائل لتسليم الجاني للعدالة.
3. تفعيل سرعة التقاضي:
مماطلة الاجهزة القضائية في كثير قضايا الناس وعدم البت السريع فيها جعلهم يتركون التحاكم لدى القضاء ،وهو ما دفع الناس للبحث عن أعراف همجية بديلة ، لكن عندما يرى ولي الدم أن الدولة تأخذ حقه بسرعة وحزم لن يفكر في استهداف "الطارف".
4. حملة تثقيف بمخاطر هذه الثقافة:
إطلاق حملات توعوية في المناسبات الإجتماعية والمدارس والمساجد والملصقات التوعوية، ترسخ فكرة أن الإنسان مسؤول عن فعله فقط.
5. ميثاق "البراءة من الجاني":
تعلن قبيلة الجاني براءتها من فعله وعدم التستر عليه او مساعدته على الفرار، وتلتزم بالتعاون مع الدولة لتقديمه للعدالة، وتطالب من لجأ اليه بتسليمه للجهات المختصة او طرده ،مما يقطع الطريق على أي محاولة لتحويل أفرادها إلى "غرماء".
وأخيرا:
إن "بياض الوجه" الحقيقي لا يكون بحماية وتهريب قاتل أو حماية مجرم، بل في الحفاظ على دماء الأبرياء، وإن عرف "الطارف غريم" هو وصمة في جبين الإنسانية ،والقضاء عليه يبدأ من شجاعتنا في قول: "المخطئ وحده هو الغريم".